جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٤٣ - تقوّي السافل بالعالي و بالعكس
..........
لأنّا نقول:
١- لا يخفى على من لاحظ الأخبار الواردة في الكرّ، أنّ أكثرها على خلاف تلك الدعوى [أي دعوى ظهورها في كون الماء مجتمعاً]، و ما اشتمل منها على السؤال عن بعض الأشياء المخصوصة لا ظهور فيه بالتخصيص بوجه من الوجوه، و كثير منها إنّما هو ابتداء خطاب.
٢- مع أنّه في مقام ضرب القاعدة و إعطاء القانون، مع اشتمالها على لفظ الماء الذي هو حقيقة في الطبيعة أينما وجدت، و ليس عمومه من جهة الحكمة.
٣- مع أنّ أخبار تحديد الكرّ- سيّما أخبار المساحة- المفهوم منها إرادة الضرب و إرادة التقدير، و هو كالصريح في عدم اعتبار هذا الاجتماع، و إلّا لم تكن فائدة عظيمة في إناطة الحكم على الضرب، و إرجاع الأمر إلى التقدير بالوزن و جعله مقداراً من غير ملاحظة كيفية من الكيفيات.
٤- على أنّ الاقتصار على ما يدّعى ظهوره من هذه الأخبار- من كون الماء مجتمعاً- في مثل حوض أو مصنع خلاف الإجماع.
٥- و أيضاً: فالتأمّل في أخبار القليل [١] يكاد يحصل القطع منه بعدم شمولها لمثل هذا الفرد [و هو العالي المتّصل بالسافل الجاري]، فإنّ أكثرها متعلّق في حكم الإناء و شبهه، و عمدتها في العموم المفهوم، و في شموله لمثل المقام محلّ نظر، بل منع.
و كيف يسوغ للفقيه أن يدرج هذا الفرد تحت أخبار القليل و لا يدرجه تحت أخبار الكرّ المبنيّة على التقدير و الضرب و نحوهما، الظاهرة في الشمول لجميع الأفراد.
٦- و إنّ ما ذكر في بعضها من السؤال عن الحياض و نحوها لا دلالة فيه على التخصيص، بل هو ظاهر في كون المقصود معرفة حكم هذا الموضوع و أنّه مورد لا شرط؛ و لذلك أجابه الإمام (عليه السلام) بما يشمل المسئول عنه و غيره.
٧- و أيضاً: فإنّ التنجيس لمثل هذا الماء من دون قطع بكونه من أفراد القليل، و لا ظنّ اجتهادي يقوم مقام القطع، ممّا لا ينبغي أن يرتكب.
و دعوى القطع أو الظنّ في المقام ممنوعة، بل أقصى ما يقال بعد التسليم و التنزّل: إنّ المقام محل شكّ، و لا ريب أنّ الاصول و العمومات تقضي بطهارته و عدم نجاسته بشيء من النجاسات.
و عدم إفادة الأصل و العمومات جميع أحكام الكرّية- التي منها التطهّر بمثل هذا الماء من الخبث على نحو التطهّر بالكرّ- غير قادح بعد الموافقة في جميع الأحكام إلّا هذا، مع أنّ العمدة من أحكام الكرّ إنّما هو عدم تنجيسه بشيء من ملاقاة النجاسة، و هو ثابت بالأصل و العموم.
٨- كلّ ذا مع أنّك قد عرفت أنّهم صرّحوا بالاتّحاد في حقّ السافل، و بعضهم أطلق ذلك كالعلّامة في التذكرة [٢].
[١] انظر الوسائل ١: ١٥٠، ب ٨ من الماء المطلق.
[٢] التذكرة ١: ٢٣.