جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٤٢ - تقوّي السافل بالعالي و بالعكس
..........
لا يقال: لو كان التقوّي يحصل في كلّ منهما لحصول الاتّحاد، للزم حصول التنجيس بملاقاة النجاسة مع القلّة؛ لكونهما ماءً واحداً قليلًا لاقى نجاسة، و اللازم باطل؛ لعدم سراية النجاسة من الأسفل إلى الأعلى، فالملزوم مثله.
لأنّا نقول: خروج ذلك بالإجماع لا يقضي بعدم الاتّحاد، و إلّا لو قضى بذلك لكان اللازم منه عدم سراية النجاسة من العالي إلى السافل، مع حصول النجاسة إجماعاً كما في سائر المائعات، فلو كان عدم سراية النجاسة من الأسفل إلى العالي دليلًا على عدم الاتّحاد و عدم شمول قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء ... إلى آخره» [١] و نحوه له، لأمكن معارضته بأنّ سرايتها من العالي إلى السافل دليل على الاتّحاد، و إلّا لما حصل نجاسة السافل بنجاسة العالي.
على أنّك قد عرفت سابقاً أنّ مسألة النجاسة ليست مبنيّة على الاتّحاد و التعدّد، بل المدار فيها على مطلق الملاقاة، مع كون الملاقىٰ- بالفتح- متّصلًا بعضه ببعض.
لا يقال:
١- إنّ الأخبار الواردة في حكم الكرّ اشتراطاً و كميّة ظاهر أكثرها كون الماء مجتمعاً، و كونه واحداً و كثيراً، و شمولها لكثير من أفراد المقام محل نظر، بل منع.
٢- و كيف لا! مع أنّه لا عموم لغوي فيها، بل عمومها إنّما هو من جهة الحكمة و نحوها، و لا ريب أنّ حملها على الأفراد المعهودة المتعارفة- سيّما مع تقدم السؤال عن بعضها- يكفي في بيان وجه الحكمة.
٣- مع أنّها [أخبار الكرّ] هي بنفسها ظاهرة في المياه المجتمعة المتقاربة الأجزاء، كقوله (عليه السلام) في خبر إسماعيل بن جابر حين سأله عن الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ فقال (عليه السلام): «ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» [٢]، و نحوها من الأخبار الدالّة على المساحة [٣]، و كذلك مثل خبر صفوان المتضمّن للسؤال عن الحياض التي بين مكّة و المدينة حيث سأله: «و كم قدر الماء؟ قال:
قلت: إلى نصف الساق ... إلى آخره» [٤].
٤- مع أنّ الكرّ- الذي وقع تحديد الماء الذي لا ينفعل به- عبارة عن مكيال مخصوص يكال به الطعام.
٥- و أيضاً فإنّ اجتماع الأجزاء يورث قوّة على قهر النجاسة لتوزّعها على الأجزاء، بخلاف ما لم يكن كذلك.
٦- هذا، مع أنّه [المجتمع] المتيقّن من الأدلّة المعلوم قطعاً، و ما عداه في محلّ الشك؛ لعدم ظهور الدليل عليه.
٧- و التمسّك بأصالة الطهارة [هنا] لا يجدي، و كيف يصحّ ذلك! مع أنّ الشارع قسّم الماء إلى شيئين يمتنع خلوّ الواقع من واحد منهما، و هما إمّا الكرّ أو دون الكرّ.
فلا يمكن الحكم بكونه فرداً من هذه الكلّية أو من هذه الكلّية إلّا بالعلم أو ما يقوم مقامه، و ليس عندنا عموم يقضي بأنّ ما شكّ في كرّيته شرعاً فهو كرّ.
[١] الوسائل ١: ١٥٨، ب ٩ من الماء المطلق، ح ١، ٢، ٦.
[٢] الوسائل ١: ١٦٤، ب ١٠ من الماء المطلق، ح ١.
[٣] انظر الوسائل ١: ١٦٤، ب ١٠ من الماء المطلق.
[٤] الوسائل ١: ١٦٢، ب ٩ من الماء المطلق، ح ١٢.