جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١١٠ - أوّلًا- القليل
..........
[ثالثاً]: و أمّا الأخبار، فإنّها فاقدة لما تحتاج إليه من الجابر:
أ- لقصور سند كثير منها أو دلالته، و ربّما جمع بعضها الأمرين.
ب- بل الوهن متطرّق إليها بما عرفت من إعراض الأصحاب عنها و نقل الإجماعات على خلافها.
جمع أنّ كثيراً منها- مع ظهوره في الماء الكثير- إنّما دلالته بترك الاستفصال الذي لا تعارض ما ذكرنا من الأدلّة [الدالّة على الانفعال بالملاقاة].
د- مع أنّ الأوّل [و هو قوله: «الماء كلّه طاهر حتى تعلم أنّه قذر»]:
١- في مجهول الموضوع لا مجهول الحكم.
و ما يقال: من رجوع الأوّل إلى الثاني فلا يبقى موضوع للخبر، تكلّف و تعسّف غير مجدٍ؛ بعد ظهور المقصود و امتياز كلّ من القسمين عن الآخر بجهل الحكم في الثاني ابتداءً و أصلًا بخلاف الأوّل، و لا يكاد يخفى الفرق بين وقوع الشكّ في طهارة نطفة الغنم مثلًا و بين الشكّ في عروض النجاسة لمعلوم الطهارة.
و ما يقال: إنّ المنجِّس هنا عارض قطعاً [على القليل] إلّا أنّ الشكّ وقع في تنجيسه، ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه؛ لأنّ ثبوت تنجيسه في الجملة غير مجدٍ، إنّما الكلام في تنجيسه في المقام و هو شكّ في الحكم عند الشارع. و الحاصل: فرق بين وقوع الشكّ في حصول التنجيس عند الشارع بسبب المباشرة لبعض الأشياء، و بين وقوع الشكّ في عروض ما يعلم ثبوت التنجيس بعد العلم بمباشرته، و الدليل إنّما هو ظاهر في الثاني و عدم الالتفات إلى الشكّ، دون الأوّل.
٢- و على تقدير التسليم فنقول: إنّ العلم حاصل في المقام قطعاً [بانفعال القليل بالملاقاة] لما سمعت من الأخبار المتواترة، مع القاعدة المتقدّمة في النجاسات [من نجاسة كلّ ما تلاقيه مع الرطوبة] مع الإجماعات المنقولة، بل يحصل من ملاحظتها الإجماع المحصّل.
٣- و على تقدير التسليم فنقول: إنّه يكفي حصول الظنّ للمجتهد من الأدلّة، و يقوم مقام العلم كالظنّ المستند إلى الدليل الشرعي في الموضوعات من البيّنة و نحوها، فما دلّ على كبرى الشكل في ظنّ المجتهد شامل لمثل المقام.
لا يقال: إنّ بينهما [بين أدلّة حجّية ظنّ المجتهد و بين قوله (عليه السلام): «الماء كلّه طاهر»] تعارض العموم من وجه.
لأنّا نقول: لا يخفى على الممارس المتتبّع الخبير الماهر القطع بعموم حجّية ظنّ المجتهد في سائر الأحكام من غير استثناء للمقام و غيره. و كيف! و سائر أحكام الطهارة و النجاسة في غير المقام مبنيّة على ظنّه في أصل ثبوت النجاسة و التنجيس، و لم يسمع من أحد المناقشة في ذلك، بل لو ادّعاه مدّع لُانكر عليه غاية الإنكار، و الفقه من أوّله إلى آخره مبني على ذلك.
نعم، ربّما وقع من بعضهم المناقشة في المقام الأوّل- أي عروض النجاسة لمعلوم الطهارة- في الاكتفاء بخبر العدل و نحوه، مع أنّ الظاهر عدمه.
و أمّا في المقام الثاني [أي الشبهة الحكمية]: فلم يعثر على مناقش فيه [في حجّية ظنّ المجتهد]، فإنّه لا يكاد يسمع- ممّن يعمل بأخبار الآحاد أنّه لو جاء خبر صحيح السند في نجاسة موضوعٍ- الحكمُ بعدم النجاسة لكونه لا يفيد اليقين. إنّ ذلك من المكابرات التي لا يصغى إليها.