المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٤٥٦ - المقدمة السابعة عشرة لا يخفى أن مسألة الترتب من المسائل العقلية
و أما التوجيه الخامس فقد عرفت اندفاعه إذ الارادة يستحيل أن تتعارض في رتبة واحدة لا في رتبتين فمع تعدد الملاحظة لا مانع من تعدد الارادة، فإن الارادة تختلف باختلاف اللحاظ فإذا لاحظت زيدا عالما تريد منه القيام و إذا لاحظته جاهلا تريد منه القعود.
فلو اجتمع اللحاظان في الرتبة تعارضت الارادتان و أما مع استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة و كان كل واحدة منهما في رتبتها مستقلة عن الأخرى لم يكن أي مانع في كل واحدة منهما أن تكون مقتضية لارادة خاصة.
فإن قلت هذا الجواب يحتاج إلى فرض جواز اجتماع اللحاظين من رتبتين في آن واحد و ذلك لأن المفروض أن الحكمين (الأهم و المهم) اجتمعا في آن واحد و كل واحد منهما اقتضته ملاحظة خاصة فوجب اجتماع الملاحظتين في آن وجود الأمرين إذ لو كان إحدى الملاحظتين معدومة وجب انعدام الأمر الذي كان معلولا لها لاستحالة وجود المعلول بلا علة.
قلت نعم هذا واجب لو فرض أن الاحكام الشرعية على طبق القضايا الخارجية بمعنى أن ينظر إلى الخارج ثم يحكم عليه بحسب ما يقتضيه نظره.
فإنه على هذا لو حكم الشارع بحكمين في آن واحد وجب أن يكون قد لاحظ الخارج الواحد في آن واحد ملاحظتين مترتبتين.
و لكنك عرفت غير مرة أن الأحكام الشرعية إنما هي قوانين على نحو القضية الحقيقية التي هي حكم على موضوعها المقدر الوجود و معنى ذلك أن يلحظ الموضوع بما هو حاك عن جميع مصاديقه الخارجية و يحكم عليه بالحكم الذي يقتضيه.
فحينئذ كان يمكن ملاحظة الخارج الواحد بملاحظتين في آنين الآن الأول هو آن الجعل الأول. الآن الثاني هو آن الجعل الثاني.
فمثلا في أول سنة من هجرة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لاحظ الشارع وقوع التزاحم و لاحظ أهمية الازالة مثلا فحكم بلزوم تقديم الازالة ثم في السنة الثانية