المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٣ - ٦- أدلة الطرفين
لفاعل الظلم. و لا شك في أن هذا المدح و الذم من العقلاء ضروريان لتواتره عن جميع الناس و منكره مكابر. و الذي يدفع العقلاء لهذا- كما قدمنا- شعورهم بأن العدل كمال للعادل و ملاءمته لمصلحة النوع الإنساني و بقائه و شعورهم بنقص الظلم و منافرته لمصلحة النوع الإنساني و بقائه.
٤- و استدل العدلية أيضا بأن الحسن و القبح لو كانا لا يثبتان إلا من طريق الشرع، فهما لا يثبتان أصلا حتى من طريق الشرع.
و قد صور بعضهم هذه الملازمة على النحو الآتي:
إن الشارع إذا أمر بشيء فلا يكون حسنا إلا إذا مدح مع ذلك الفاعل عليه و إذا نهى عن شيء فلا يكون قبيحا إلا إذا ذم الفاعل عليه.
و من أين تعرف أنه يجب أن يمدح الشارع فاعل المأمور به و يذم فاعل المنهي عنه، إلا إذا كان ذلك واجبا عقلا، فتوقف حسن المأمور به و قبح المنهي عنه على حكم العقل و هو المطلوب.
ثم لو ثبت أن الشارع مدح فاعل المأمور به و ذم فاعل المنهي عنه، و المفروض أن مدح الشارع ثوابه و ذمه عقابه، فمن أين نعرف أنه صادق في مدحه و ذمه إلا إذا ثبت أن الكذب قبيح عقلا يستحيل عليه، فيتوقف ثبوت الحسن و القبح شرعا على ثبوتهما عقلا، فلو لم يكن لهما ثبوت عقلا فلا ثبوت لهما شرعا.
و قد أجاب بعض الأشاعرة عن هذا التصوير بأنه يكفي في كون الشيء حسنا أن يتعلق به الأمر و في كونه قبيحا أن يتعلق به النهي، و الأمر و النهي- حسب الفرض- ثابتان وجدانا. و لا حاجة إلى فرض ثبوت مدح و ذم من الشارع.
و هذا الكلام- في الحقيقة- يرجع إلى أصل النزاع في معنى الحسن و القبح، فيكون الدليل و جوابه صرف دعوى و مصادرة على المطلوب، لأن المستدل يرجع قوله إلى أنه يجب المدح و الذم عقلا لأنهما واجبان في اتصاف الشيء بالحسن و القبح و المجيب يرجع قوله إلى أنهما لا يجبان عقلا لأنهما غير واجبين في الحسن و القبح.