المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٢ - ٦- أدلة الطرفين
نقلناه من عبارته فيما سبق في الأمر الثاني. و ليس كذلك القضية الأولية التي يكفي تصور طرفيها في الحكم، فإنه لا بد ألا يشذ عاقل في الحكم بها لأول وهلة.
٢- و من أدلتهم على إنكار الحسن و القبح العقليين أن قالوا: أنه لو كان ذلك عقليا لما اختلف حسن الأشياء و قبحها باختلاف الوجوه و الاعتبارات كالصدق إذ يكون مرة ممدوحا عليه و أخرى مذموما عليه، إذا كان فيه ضرر كبير. و كذلك الكذب بالعكس يكون مذموما عليه و ممدوحا عليه، إذا كان فيه نفع كبير. كالضرب و القيام و القعود و نحوها مما يختلف حسنه و قبحه.
و الجواب عن هذا الدليل و أشباهه يظهر مما ذكرناه من أحسن الأشياء و قبحها على أنحاء ثلاثة، فما كان ذاتيا لا يقع فيه اختلاف، فإن العدل بما هو عدل لا يكون قبيحا أبدا، و كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون حسنا أبدا، أي أنه ما دام عنوان العدل صادقا فهو ممدوح و ما دام عنوان الظلم صادقا فهو مذموم. و أما ما كان عرضيا فإنه يختلف بالوجوه و الاعتبارات، فمثلا الصدق إن دخل تحت عنوان العدل كان ممدوحا و إن دخل تحت عنوان الظلم كان قبيحا. و كذلك الكذب و ما ذكر من الأمثلة.
و الخلاصة أن العدلية لا يقولون بأن جميع الأشياء لا بد أن تتصف بالحسن أبدا أو بالقبح أبدا، حتى يلزم ما ذكر من الإشكال.
٣- و قد استدل العدلية على مذهبهم بما خلاصته:
«إنه من المعلوم ضرورة حسن الإحسان و قبح الظلم عند كل عاقل من غير اعتبار شرع، فإن ذلك يدركه حتى منكر الشرائع».
و أجيب عنه، بأن الحسن و القبح في ذلك بمعنى الملاءمة و المنافرة أو بمعنى صفة الكمال و النقص، و هو مسلم لا نزاع فيه. و أما بالمعنى المتنازع فيه فإنا لا نسلم جزم العقلاء به.
و نحن نقول: إن من يدعي ضرورة حكم العقلاء بحسن الإحسان و قبح الظلم يدعي ضرورة مدحهم لفاعل الإحسان و ذمهم