المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٠٠ - ٩- المقدمة العبادية
فإن قلت: أن الأمر لا يدعو إلا إلى ما تعلق به فلا يعقل أن يكون الأمر بذي المقدمة داعيا بنفسه إلى المقدمة إلا إذا قلنا بترشح أمر آخر منه بالمقدمة، فيكون هو الداعي. و ليس هذا الأمر الآخر المترشح إلا الأمر اللاغيري.
فرجع الإشكال جذعا.
قلت: نعم الأمر لا يدعو إلا إلى ما تعلق به، و لكنا لا ندعي أن الأمر بذي المقدمة هو الذي يدعو إلى المقدمة، بل نقول إن العقل هو الداعي إلى فعل المقدمة توصلا إلى فعل الواجب، و سيأتي أن هذا الحكم العقلي لا يستكشف منه ثبوت أمر غيري من المولى. و لا يلزم أن يكون هناك أمر بنفس المقدمة لتصحيح عباديتها و يكون داعيا إليها.
و الحاصل أن الداعي إلى فعل المقدمة هو حكم العقل، و المصحح لعباديتها شيء آخر هو قصد التقرب بها، و يكفي في التقرب بها إلى اللّه أن يأتي بها بقصد التوصل إلى ما هو عبادة. لا أن الداعي إلى فعل المقدمة هو نفس المصحح لعباديتها، و لا أن المصحح لعبادية العبادة منحصر بقصد الأمر المتعلق بها، و قد سبق توضيح ذلك.
فعلى هذا المذهب يكون اشكال استحالة الاندكاك محكم في غاية الاستحكام لأن متعلق الأمر النفسي هي الماهيّة المجردة عن قصد امتثال الأمر و متعلق الأمر الغيري هو الماهيّة المقترنة بقصد امتثال الأمر النفسي.
بل يلزم على هذا المذهب استحالة عبادية الامتثال إلّا بقصد امتثال الأمر النفسي. حيث ان هذا هو شرط الماهيّة التي تعلق بها الأمر الغيري. فانقدح لك ضعف الجواب المتقدم.
و الحاصل ان دعوى ان العباديّة (و هي اشتراط العبادة بقصد امتثال الأمر) لا تأتي الا من امر جديد يقتضي استحالة اندكاك الأمر الغيري بالأمر الاستحبابي.
و من هذا القبيل النذر المتعلق بصلاة الليل فإن النذر تعلق بالصلاة العباديّة أي المشروطة بقصد امتثال الأمر بينما الأمر الاستحبابي تعلق بذات