المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٢٥٨ - ٨- المقدمات المفوتة
و لبيان عدم معلولية وجوب المقدمة لوجوب ذيها: نذكر أن الأمر- في الحقيقة- هو فعل الآمر، سواء كان الأمر نفسيا أو غيريا، فالآمر هو العلة الفاعلية له دون سواه، و لكن كل أمر إنما يصدر عن إرادة الآمر لأنه فعله الاختياري و الإرادة بالطبع مسبوقة بالشوق إلى فعل المأمور به، أي أن الآمر لا بد أن يشتاق أولا إلى فعل الغير على أن يصدر من الغير، فإذا اشتاقه لا بد أن يدع الغير و يدفعه و يحثه على الفعل فيشتاق إلى الآمر به. و إذا لم يحصل مانع من الأمر فلا محالة يشتد الشوق إلى الأمر حتى يبلغ الإرادة الحتمية فيجعل الداعي في نفس الغير للفعل المطلوب و ذلك بتوجيه الأمر نحوه.
هذا حال كل مأمور به، و من جملته (مقدمة الواجب)، فإنه إذا ذهبنا إلى وجوبها من قبل المولى لا بد أن نفرض حصول الشوق أولا في نفس الآمر إلى صدورها من المكلف، غاية الأمر أن هذا الشوق تابع للشوق إلى فعل ذي المقدمة و منبثق منه، لأن المختار إذا اشتاق إلى تحصيل شيء و أحبه اشتاق و أحب بالتبع كل ما يتوقف عليه ذلك الشيء على نحو الملازمة بين الشوقين. و إذا لم يكن هناك مانع من
المقدمي تابعا لإرادة الوجوب النفسي و ان لم يكن الوجوب فعليا.
الركن الثاني: اثبات وجود ارادة الوجوب النفسي حتى قبل وقت الوجوب.
النقطة الثالثة: في ذكر الدليل على تعديل القاعدة و لعلك يمكنك ان تستخرجه من المباحث المتقدمة و حاصله يتضح في مقدمة و هي انك عرفت ان سلسلة علل الوجوب المقدمي هكذا (رؤيه مصلحة الواجب النفسي علة لحدوث الشوق الى الواجب النفسي، و هو بدوره علة لحدوث الشوق الى المقدمة، و هو بدوره علة لإرادة المقدمة و هي علة للحكم بها) فكما ترى ان الوجوب النفسي لا يمر في سلسلة علل الوجوب المقدمي و انما يمر الشوق فإذن مع وجود الشوق تكون علة الوجوب المقدمي موجودة و مع عدم الشوق تكون علته معدومة.