برهان شفا - ابن سينا - الصفحة ٨٥ - فصل هشتم در اينكه علم يقينى نسبت به آنچه داراى سبب است از طريق سبب آن حاصل مىشود، و مراعات نسبتهاى حدود برهان از اين امر
(٩٦) ثم لسائل أن يسأل فيقول إنه إذا لم يكن بين المحمول و الموضوع سبب فى نفس الوجود، فكيف تبين النسبة بينهما ببيان؟ فنقول: إذا كان ذلك بينا بنفسه لا يحتاج إلى بيان، و يثبت فيه اليقين من جهة أن نسبة المحمول إلى الموضوع لذات الموضوع، فذات الموضوع يجب مواصلتها للمحمول. و قد علمت المواصلة و وجوبها من حيث وجبت، فالعلم الحاصل يقينى. و إن لم يكن بينا بنفسه، فلا يمكن ألبته أن يقع به علم يقينى غير زائل: لأنا إذا جعلنا المتوسط ما ليس بسبب، لم يمكن أن يطلب به هذا العلم اليقينى. و ان جعلناه ما هو سبب فقد وسطنا سببا، و هذا محال إذا فرضنا أنه لا سبب.
فيشبه أن تكون أمثال هذه بينة بنفسها كلها، أو يكون بيانها بالاستقراء. إلا أنه لا يخلو، إذا بين بالاستقراء، من أحد أمرين: و ذلك لأنه إما أن يكون وجود نسبة المحمول إلى جزئيات الموضوع بينا بنفسه بلا سبب، إذ إنما يتبين الاستقراء بهذا النوع، و إما أن يكون وجود نسبة المحمول إلى جزئيات الموضوع فى نفسه بسبب. فإن كان بينا بنفسه فى كل واحد منها، فإما أن يكون البيان بالحس فقط، و ذلك لا يوجب الدوام و لا رفع أمر جائز الزوال، فلا يكون من تلك المقدمات يقين. و إما أن يكون بالعقل و هذا القسم غير جائز، لأن هذا المحمول لا يجوز أن يكون ذاتيا بمعنى المقوم: فإنا سنبين بعد أن الذاتى بمعنى المقوم غير مطلوب فى الحقيقة، بل وجوده لما هو ذاتى له بين. و إما أن يكون عرضيا- و لا شك أنه يكون من الأعراض اللازمة لكلى يقال على الجزئيات إذا صح حمله على الكل- فيكون هذا العرض لازما لشىء من المعانى الذاتية للجزئيات، فإن العرض الذى هذه صفته، هذا شأنه. و إذا كان كذلك كان حمله على كل جزئى لأجل معنى موجود له و لغيره من الذاتيات، فيكون ذلك- اى الذاتى- سببا عاما لوجود هذا العرض فى الجزئيات، و فرضناه بلا سبب. و إذا علم من جهة ذلك السبب، لم يكن ذلك بعلم ضرورى و لا يقين، فضلا عن بيّن بنفسه. و يستحيل أن يكون عرضا للمعنى العام حتى يصح أن يكون مطلوبا، لكنه ذاتى لكل واحد من الجزئيات إلى آخرها: فإن الذاتى لجميع الجزئيات لا يصح أن يكون عرضيا للمعنى الكلى المساوى لها، لأنه ليس ثمة شىء من موضوعات ذلك الكلى يعرض له ذلك الحمل بسلبه أو إيجابه. فإذا لم يكن عارضا لشىء منها، فكيف يكون عارضا لكلها؟ و عارض طبيعة الكلى عارض الكل: فإن الحركة بالإرادة لما كانت عرضا لازما لجنس الإنسان كانت عرضا للإنسان و لكل نوع مع الإنسان. فقط بان أن نسبة المحمول فى مثل ما كلامنا فيه تكون عرضية عامة، و تحتاج أن تبين فى كل واحد من الجزئيات بسببه. فقد بطل إذن أن يكون استقراء جزئيات سببا فى تصديقنا بما لا واسطة له تصديقا يقينيا، و أن يكون ذلك بينا فى الجزئيات بنفسه.