دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٣٩ - باب ذكر العقبة الأولى
(١) فليكف عنا ما نكره، فإنه قد بلغني أنه قد جاء بهذا الرجل الغريب معه يتسفه به سفهاؤنا و ضعفاؤنا، فإنه لو لا ما بيني و بينه من القرابة كفيتك ذلك.
فأخذ أسيد بن حضير الحربة، ثم خرج حتى أتاهما، فلما رآه أسعد بن زرارة، قال لمصعب بن عمير: هذا و اللّه سيد قومه قد جاءك فابل اللّه فيه بلاء حسنا.
قال: إن يقعد أكلمه، فوقف عليهما متشتما فقال: يا أسعد! مالنا و لك تأتينا بهذا الرجل الغريب يسفه به سفهاؤنا و ضعفاؤنا، فقال: أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته، و إن كرهته كفّ عنك ما تكره.
فقال: قد أنصفتم، ثم ركز الحربة و جلس، فكلمه مصعب بن عمير و عرض عليه الإسلام، و تلا عليه القرآن، فو اللّه لعرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم لتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا و أجمله، و كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل، و تطهر ثيابك، و تشهد شهادة الحق، و تصلي ركعتين، ففعل.
ثم قال لهما: إن ورائي رجلا من قومي إن تابعكما لم يخالفكما أحد بعده.
ثم خرج حتى أتى سعد بن معاذ، فلما رآه سعد بن معاذ مقبلا قال:
أحلف باللّه لقد رجع عليكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به، ما ذا صنعت؟ قال: قد ازدجرتهما، و قد بلغني أن بني حارثة يريدون أسعد بن زرارة ليقتلوه ليخفروك فيه، لأنه ابن خالتك، فقام إليه سعد مغضبا فأخذ الحربة من يده، قال: و اللّه ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج فلما نظر إليه أسعد بن زرارة قد طلع عليهما، قال لمصعب: هذا و اللّه سيد من وراءه من قومه إن هو تابعك لم يخالفك أحد من قومه، فاصدق اللّه فيه، فقال مصعب بن عمير: إن يسمع مني أكلمه.