دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٣١ - باب ذكر العقبة الأولى
(١) من كرامته و نبوته، و قرأ عليهم القرآن، فلما سمعوا قوله أيقنوا به و اطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا منه، و عرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من صفته، فصدقوه، و اتبعوه و كانوا من أسباب الخير الذي سبّب له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
ثم قالوا: قد علمت الذي بين الأوس و الخزرج من الاختلاف و سفك الدماء، و نحن حراص على ما أرشدك اللّه به مجتهدون لك بالنصيحة، و إنا نشير عليك برأينا فامكث على رسلك باسم اللّه حتى نرجع إلى قومنا، فنذكر لهم شأنك، و ندعوهم إلى اللّه و رسوله، فلعل اللّه عز و جل أن يصلح ذات بينهم، و يجمع لهم أمرهم، فإنا اليوم متباغضون متباعدون، و إنك إن تقدم علينا و لم نصطلح لا يكون لنا جماعة عليك، و لكنا نواعدك الموسم من العام المقبل.
فرضي بذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فرجعوا إلى قومهم فدعوهم سرا و أخبروهم برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الذي بعثه اللّه به و تلوا عليهم القرآن، حتى قلّ دار من دور الأنصار إلا قد أسلم فيها ناس، ثم بعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): معاذ بن عفراء، و رافع بن مالك: أن ابعث إلينا رجلا من قبلك يفقهنا و يدعو الناس بكتاب اللّه، فإنه قمن أن يتّبع.
قال: فبعث إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): مصعب بن عمير، أخا بني عبد الدار ابن قصي، فنزل في بني تيم على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس سرا، و يفشو الإسلام، و يكثر أهله، و هم مع ذلك شديد استخفاؤهم.
ثم إن أسعد بن زرارة، و هو أبو أمامة أقبل هو و مصعب بن عمير حتى أتيا بئر بني مرق، فجلسا هنالك و بعثا إلى رهط من الأنصار فأتوهما مستخفين، فبينما مصعب بن عمير يحدثهم، و يقص عليهم القرآن أخبر بهم سعد بن معاذ و يقول بعض الناس: بل أسيد بن حضير، فأتاهم في لأمته معه الرمح حتى وقف عليهم، فقال لأبي أمامة: علام تأتينا في دورنا بهذا الوحيد الغريب الطريد