دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٨ - باب ما جاء في خروج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مع أبي طالب حين أراد الخروج إلى الشام تاجرا، و رؤية بحيرى
(١) صدقت، قد كان ما تقول، و لكنكم ضيف، و قد أحببت أن أكرمكم و أصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم. فاجتمعوا إليه و تخلف رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) [من] [١٧] بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة. فلما نظر بحيراء في القوم و لم ير الصفة التي يعرف و يجد عنده، فقال: يا معاشر قريش [١٨]، لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا. فقالوا له [١٩]: يا بحيرى [٢٠]، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام و هو أحدث القوم سنا، تخلّف في رحالهم. قال: فلا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. فقال رجل من قريش مع القوم:
و اللات و العزّى، إن هذا للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد اللّه بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا. قال: ثم قام إليه فاحتضنه، ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم.
فلما رآه بحيراء جعل يلحظه لحظا شديدا، و ينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته، حتى إذا فرغ القوم من الطعام و تفرقوا،
قام بحيراء فقال له: يا غلام، أسألك باللات و العزى إلّا أخبرتني عما أسألك عنه. و إنما قال له بحيراء ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما. و زعموا أن رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال له: لا تسلني باللات و العزّى شيئا، فو اللّه ما أبغضت بغضهما شيئا قطّ. فقال له بحيراء: فباللّه إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. فقال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه و هيئته و أموره، فجعل رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيراء من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه، من صفته التي عنده.
قال: فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ فقال: ابني. فقال له بحيراء: ما هو بابنك، و ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال. فإنه ابن أخي. قال: فما
[١٧] الزيادة من (ه).
[١٨] في (م) و (ص): «يا معاشر».
[١٩] في (م) و (ص): «قالوا له».
[٢٠] في (م) رسمت: «بحيرا».