دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٣٦ - باب مبتدأ البعث و التنزيل و ما ظهر عند ذلك من تسليم الحجر و الشجر و تصديق ورقة بن نوفل إياه
(١) بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ- حتى بلغ- ما لَمْ يَعْلَمْ [٢٨] فرجع بها ترجف بوادره [٢٩] حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زمّلوني فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع [٣٠] فقال: يا خديجة مالي، فأخبرها الخبر، و قال: قد خشيت عليّ فقالت له:
كلّا [٣١]، أبشر فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا: إنك لتصل الرحم، و تصدق الحديث، و تحمل الكلّ، و تقري الضعيف، و تعين على نوائب الحق.
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن قصيّ و هو ابن عم خديجة ابن أخي أبيها و كان امرءا تنصّر في الجاهلية، و كان يكتب الكتاب العربي [٣٢]، يكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء اللّه [عز و جل] [٣٣] أن يكتب. و كان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة: أي ابن
[٢٨] أول سورة العلق، و هذا القدر الذي ذكر من سورة العلق هو الذي نزل أولا، بخلاف بقية السورة، فإنما نزل بعد ذلك بزمان.
و قد اشتملت هذه الآيات على مقاصد القرآن، ففيها براعة الاستهلال، و هي جديرة أن تسمى عنوان القرآن، لأن عنوان القرآن يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله، و انحصر فيها: علم التوحيد، و الأحكام، و الأخبار، و اشتملت على الأمر بالقراءة، و البداءة فيها باسم اللّه، و في هذا إشارة إلى الأحكام، و فيها ما يتعلق بتوحيد الرب و اثبات ذاته و صفاته من صفات ذات، و صفات فعل، و في هذا إشارة إلى أصول الدين، و فيها ما يتعلق بالأخبار من قوله: «علّم الإنسان ما لم يعلم».
[٢٩] (ترجف بوادره): ترجف: تخفق و تضطرب، و البوادر: جمع بادرة، و هي ما بين المنكب و العنق يعني أنه لا يختص بعضو واحد، و هو جيد فيكون إسناد الرجفان إلى القلب لكونه محلّه، و إلى البوادر لأنها مظهره.
[٣٠] الرّوع: الفزع، و الرّوع: موضع الفزع من القلب.
[٣١] (كلا): هي كلمة نفي و إبعاد، و قد تأتي بمعنى حقا، و بمعنى الاستفتاح، و قال القزّاز: هي بمعنى الرد لما خشي على نفسه، أي لا خشية عليك.
[٣٢] و في رواية: «فكان يكتب الكتاب العبراني»، و الجميع صحيح، لأن ورقة تعلم اللسان العبراني، فكان يكتب الكتاب العربي، كما كان يكتب الكتاب العبراني.
[٣٣] الزيادة من (ه).