دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣١٢ - باب دخول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع من بقي من أصحابه شعب أبي طالب، و ما ظهر من الآيات في صحيفة المشركين التي كتبوها على بني هاشم و بني المطلب حين منعوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ممّن أراد قتله
(١) يسلموه للقتل فلبث بنو هاشم في شعبهم يعني ثلاث سنين [١] و اشتد عليهم البلاء و الجهد، و قطعوا عنهم الأسواق فلا يتركوا طعاما يقدم مكة و لا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و كان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكرا به و اغتياله، فإذا نوّم الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف و من بني قصي، و رجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، و رأوا أنهم قد قطعوا الرحم و استخفوا بالحق، و اجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر و البراءة منه و بعث اللّه عز و جل على صحيفتهم التي المكر فيها برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الأرضة [٢] فلحست كلما كان فيها من عهد و ميثاق.
و يقال كانت معلقة في سقف البيت، و لم تترك اسما للّه عز و جل فيها إلا لحسته، و بقي ما كان فيها من شرك أو ظلمة أو قطيعة رحم، و أطلع اللّه- عز و جل- رسوله على الذي صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأبي طالب، فقال أبو طالب: لا و الثواقب [٣] ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة [٤] من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد، و هو حافل من قريش فلما رأوهم
[١] كان هذا العقد و الحصار لبني هاشم و بني المطلب بن عبد مناف في ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة، و ظلوا محاصرين إلى السنة العاشرة، و قيل: بل إلى السنة التاسعة.
[٢] (الأرصنة): دويّبة تأكل الخشب.
[٣] (الثواقب): «النجوم، جمع ثاقب، و هو النجم المضيء».
[٤] (العصابة): الجماعة.