دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٠٧ - ذكر حديث قسّ بن ساعدة الإيادي
(١) عين، و لا شك بعد يقين. مدّ يدك، فأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنك محمد رسول اللّه.
قال: فآمن الجارود، و آمن من قومه كلّ سيد، و سرّ النبي، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بهم سرورا، و ابتهج حبورا، و قال: يا جارود، هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قسّا،؟ قال: كلّنا نعرفه يا رسول اللّه، و أنا من بين قومي كنت أقفو أثره و أطلب خبره: كان قس سبطا من أسباط العرب، صحيح النسب، فصيحا إذا خطب، ذا شيبة حسنة. عمّر سبعمائة سنة، يتقفّر القفار، لا تكنّه دار، و لا يقرّه قرار، يتحسّى في تقفّره بيض النّعام، و يأنس بالوحش و الهوامّ، يلبس المسوح و يتبع السّيّاح على منهاج المسيح، لا يفتر من الرّهبانية، مقرّ للّه بالوحدانية، تضرب بحكمته الأمثال، و تكشف به الأهوال، و تتبعه الأبدال.
أدرك رأس الحواريّين سمعان! فهو أول من تألّه من العرب و أعبد من تعبّد في الحقب، و أيقن بالبعث و الحساب و حذر سوء المنقلب و المآب، و وعظ بذكر الموت، و أمر بالعمل قبل الفوت. الحسن الألفاظ، الخاطب بسوق عكاظ، العالم بشرق و غرب، و يابس و رطب، و أجاج و عذب. كأني أنظر إليه، و العرب بين يديه، يقسم بالرّب الذي هو له ليبلغنّ الكتاب أجله، و ليوفّينّ كلّ عامل عمله. ثم أنشأ يقول:
هاج للقلب [٢٢] من جواه ادّكار* * * و ليال خلالهنّ نهار
و نجوم يحثّها قمر الليل* * * و شمس في كلّ يوم تدار
ضوؤها يطمس العيون و رعاد [٢٣]* * * شديد في الخافقين مطار
و غلام و أشمط و رضيع* * * كلّهم في التراب يوما يزار
[٢٢] في (م): «بالقلب».
[٢٣] في (م): «و إرعاد».