دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٠٠ - باب الهجرة الأولى الى الحبشة ثم الثانية و ما ظهر فيها من الآيات و تصديق النجاشي و من تبعه من القسس
(١) قال: فانتهينا إلى النجاشي و هو جالس في مجلسه فزبرنا من عنده من القسيسين و الرهبان اسجدوا للملك فقال جعفر لا نسجد إلا للّه قال له النجاشي:
و ما منعك أن تسجد؟ قال: لا نسجد إلا للّه، قال: و ما ذاك؟ قال: إن اللّه عز و جل بعث إلينا رسوله، و هو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم يأتي من بعدي اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد اللّه و لا نشرك به شيئا و نقيم الصلاة و نؤتي الزكاة، و أمر بالمعروف و نهى عن المنكر.
فأعجب النجاشي قوله قال فما يقول صاحبك في ابن مريم، قال: يقول فيه هو روح اللّه و كلمته أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر، فتناول النجاشي عودا من الأرض، فقال: يا معشر القسيسين و الرهبان: ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه. مرحبا بكم و بمن جئتم من عنده فأنا أشهد أنه رسول اللّه و إنه بشر به عيسى بن مريم، و لو لا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه امكثوا في أرضي ما شئتم و أمر لنا بطعام و كسوة».
قلت هذا إسناد صحيح [٤٢] و ظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، و انه خرج مع جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه إلى أرض الحبشة، و الصحيح عن يزيد بن عبد اللّه بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى «أنه بلغهم مخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضع و خمسين رجلا في سفينة فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بالحبشة فوافقوا جعفر بن أبي طالب و أصحابه عنده فأمرهم جعفر بالإقامة فأقاموا حتى قدموا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) زمن خيبر».
فأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر و بين النجاشي، فأخبر عنه و لعل الراوي و هم في قوله أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن ننطلق و اللّه أعلم.
[٤٢] و أخرجه أبو نعيم في الدلائل، و نقله الحافظ ابن كثير في «البداية و النهاية» (٣: ٧٠).