دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٥٠٢ - باب من استقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و صاحبه من أصحابه، ثم استقبال الأنصار إياه و دخوله و نزوله و فرح المسلمين بمجيئه و الآيات التي ظهرت في نزوله
(١) و أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ و أبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: أخبرنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، عن رجال من قومه، قالوا: «لما بلغنا مخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من مكة كنا نخرج كل غداة فنجلس له بظاهر الحرة نلجأ، إلى ظل الجدر حتى تغلبنا عليه الشمس، ثم نرجع إلى رحالنا، حتى إذا كان اليوم الذي جاء فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جلسناكما كنا
[ ()] قال أبو أيوب: و كنّا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيمّمت أنا و أمّ أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه و قد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فردّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لم أر ليده فيه أثرا. قال: فجئته فزعا فقلت: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمّي رددت عشاءك، و لم أر فيه موضع يدك و كنت إذا رددته علينا تيمّمت أنا و أم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة. قال: «إني وجدت فيه ريح هذه الشّجرة و أنا رجل أناجي، فأما أنتم فكلوه».
قال: فأكلناه و لم نضع له تلك الشجرة بعد.
و
في كتاب أخبار المدينة ليحيى بن الحسن، عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه قال: «لما نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على أبي أيوب لم يدخل منزل رسول اللّه هدية و أول هدية دخلت بها عليه قصعة مثرودة خبز برّ و سمنا و لبنا، فأضعها بين يديه، فقلت، «يا رسول اللّه أرسلت بهذه القصعة أمّي»، فقال:
«بارك اللّه فيها»، و دعا أصحابه فأكلوا
فلم أرم الباب حتى جاءته قصعة سعد بن عبادة، على رأس غلام مغطاة فأقف على باب أبي أيوب فأكشف غطاءها لأنظر فرأيت ثريدا عليه عراق فدخل بها على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)». قال زيد: «فلقد كنّا في بني مالك بن النّجّار ما من ليلة إلا على باب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منا الثلاثة و الأربعة يحملون الطعام و يتناوبون بينهم حتى تحوّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) [من بيت أبي أيوب، و كان مقامه فيه سبعة أشهر] و ما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة و جفنة أسعد بن زرارة كل ليلة». و فيه أنه قيل لأم أيوب: «أي الطعام كان أحب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنكم عرفتم ذلك لمقامه عندكم؟ قالت: ما رأيته أمر بطعام فصنع له بعينه، و لا رأيناه أتي بطعام فعابه و قد أخبرني أبو أيوب أنه تعشّى عنده ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة طفيشل. فقال أبو أيوب: فرأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ينهل تلك القدر ما لم أره ينهل غيرها، فكنا نعملها له، و كنا نعمل له الهريس و كانت تعجبه. و كان يحضر عشاءه خمسة إلى ستة عشر كما يكون الطعام في الكثرة و القلّة».