دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٩٤ - ذكر سبب إسلام سلمان الفارسي، رضي اللّه عنه
(١) معك في كنيستك، و أعبد اللّه معك، و أتعلم منك الخير. قال: فكن معي.
قال: فكنت معه، و كان رجل سوء، كان يأمرهم بالصّدقة و يرغّبهم فيها، فإذا جمعوها إليه اكتنزها و لم يعطها المساكين. فأبغضته بغضا شديدا لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلما جاءوا ليدفنوه قلت لهم: إن هذا رجل سوء، كان يأمركم بالصدقة و يرغّبكم فيها، حتى إذا جمعتموها إليه اكتنزها و لم يعطها المساكين. فقالوا: و ما علامة ذلك؟ فقلت: أنا أخرج لكم كنزه. فقالوا:
فهاته. فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهبا و ورقا. فلمّا رأوا ذلك قالوا: و اللّه لا يدفن أبدا. فصلبوه على خشبة و رموه بالحجارة، و جاءوا برجل آخر فجعلوه [٥٣] مكانه. فلا و اللّه يا ابن عبّاس، ما رأيت رجلا قطّ لا يصلي الخمس أرى أنّه أفضل منه أشدّ اجتهادا، و لا أزهد في الدنيا، و لا أدأب ليلا و لا نهارا منه. ما أعلمني أحببت شيئا قط، قبله، حبّه. فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة. فقلت: يا فلان، قد حضرك ما ترى من أمر اللّه، و إني و اللّه ما أحببت شيئا، قطّ، حبّك، فما ذا تأمرني؟ إلى من توصيني؟ فقال: أي بني، و اللّه ما أعلمه إلا رجلا بالموصل فائته، فإنك ستجده على مثل حالي. فلما مات [و غيّب] [٥٤] لحقت بالموصل، فأتيت صاحبها، فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد و الزّهادة في الدنيا، فقلت له: إن فلانا أوصاني إليك أن آتيك و أكون معك. قال: فأقم أي بني. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه، حتى حضرته الوفاة. فقلت له: إنّ فلانا أوصاني إليك و قد حضرك من أمر اللّه ما ترى، فإلى من توصيني [٥٥]، فقال: و اللّه ما أعلمه، أي بنيّ، إلّا رجل بنصيبين و هو على مثل ما نحن عليه، فالحق به. فلما دفناه. لحقت بالآخر فقلت له: يا فلان، إن فلانا أوصاني إلى فلان، و فلان أوصاني إليك. قال: فأقم يا بني. فأقمت
[٥٣] في (ح) و (ص) و (م): «فجعلوا».
[٥٤] الزيادة من (ح).
[٥٥] ليست في (م).