دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٤٧ - باب مبتدأ البعث و التنزيل و ما ظهر عند ذلك من تسليم الحجر و الشجر و تصديق ورقة بن نوفل إياه
(١)
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة ينسك فيه، و كان من نسك من قريش في الجاهلية يطعم من جاء من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته و قضائه [٩١] لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة، حتى إذا كان الشهر الذي أراد اللّه [تعالى] [٩٢] به ما أراد من كرامته من السنة التي بعث فيها، و ذلك الشهر رمضان فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما كان يخرج لجواره و خرج معه بأهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه اللّه فيها برسالته و رحم العباد به جاءه جبريل (عليه السلام) بأمر اللّه عز و جل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فجاءني، و أنا نائم، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ فغتني [٩٣] حتى ظننت أنه الموت، ثم كشفه عنى، فقال: أقر: فقلت: و ما أقرأ؟ فعاد لي [٩٤] بمثل ذلك، ثم قال: اقرأ.
فقلت: و ما أقرأ و ما أقولها إلّا تنجّيا [٩٥] أن يعود لي بمثل الذي صنع، فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [٩٦].
ثم انتهى، فانصرف عني و هببت من نومي فكأنما صوّر في قلبي كتابا و لم يكن في خلق اللّه عز و جل احد أبغض اليّ من شاعر أو مجنون فكنت لا أطيق انظر إليهما، فقلت: إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون ثم قلت لا تحدث
[٩١] في سيرة ابن هشام: «فإذا قضى جواره ...».
[٩٢] الزيادة من (ه).
[٩٣] في (ه) و (م): «فزتني» و هو تحريف، و معنى «غتني»: «حبس نفسي»، قال ابن الأثير:
«الغت و الغط سواء، كأنه أراد عصرني عصرا شديدا، حتى وجدت منه المشقة، كما يجد من يغمس في الماء قهرا».
[٩٤] في (ه): «فعاودني».
[٩٥] في سيرة ابن هشام: «إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع».
[٩٦] (١- ٥) من سورة القلم.