دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٨٨ - باب الدليل على أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عرج به إلى السماء فرأى جبريل (عليه السلام) في صورته عند سدرة المنتهى و قبل ذلك كان قد رأى جبريل (عليه السلام) في صورته و هو بالأفق الأعلى
(١) و روينا في حديث ابن المسيب انه لقيهم في بيت المقدس.
و روينا في حديث انس أنه بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء (عليهم السلام) فأمّهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تلك الليلة.
و روينا في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة و عن انس عن أبي ذر أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رأى موسى بن عمران في السماء السادسة.
و ليس بين هذه الأخبار منافاة فقد يراه في مسيره و إنما يصلي في قبره لم يسار به إلى بيت المقدس كما أسري بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيراه في السماء و كذلك سائر من رآه من الأنبياء، في الأرض ثم في السماء و الأنبياء (صلوات اللّه عليهم) أحياء عند ربهم كالشهداء فلا ينكر حلولهم في أوقات بمواضع مختلفات كما ورد خبر الصادق [٩٩] به.
[٩٩] الأنبياء كالشهداء بل أفضل، و الشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجوا و أن يصلّوا، و أن يتقربوا إلى اللّه بما استطاعوا لأنهم و إن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها، و تعقبها: الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل.
و البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال و زيادة الأجور. و قال المسبكي (رحمه اللّه تعالى): «إنا نقول إن المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف، و قد تحصل الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها و الخضوع للّه تعالى. و لهذا ورد أنهم يسبّحون و يدعون و يقرأون القرآن و انظر إلى سجود النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وقت الشفاعة، أليس ذلك عبادة و عملا؟ و على كلا الجوابين لا يمتنع حصول هذه الأعمال و في مدة البرزخ».
و قد صح عن ثابت البناني التابعي أنه قال: «اللهم إن كنت أعطيت أحدا أن يصلي في قبره فأعطني ذلك». فرؤي بعد موته يصلّي في قبره، و يكفي رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لموسى قائما يصلي في قبره، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سائر الأنبياء لم يقبضوا حتى خيّروا بين البقاء في الدنيا و بين الآخرة فاختاروا الآخرة. و لا شك أنهم لو بقوا في الدنيا لازدادوا من الأعمال الصالحة ثم انتقلوا إلى الجنة، فلم لم يعلموا أن انتقالهم إلى اللّه تعالى أفضل لما اختاروه، و لو كان انتقالهم من هذه الدار يفوت عليهم زيادة فيما يقرب إلى اللّه تعالى لما اختاروه.