دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٩٤ - باب اجتياز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالمرأة و ابنها، و ما ظهر في ذلك من آثار النبوة
(١) لما أتى زوجها و صفته له و اللّه أعلم [٨].
[٨] سيرة ابن هشام (٢: ١٠٠)، و السيرة الشامية (٣: ٣٥٠- ٣٥١).
قلت: هكذا ذكر البيهقي، و لم يعرج على قصة ام معبد كما وردت في المستدرك للحاكم، و الطبراني، و ابو نعيم في الدلائل، و قد رويت عن حبيش بن خالد الخزاعي القديدي أخي أم معبد، كما رواها ابن سعد عن أبي معبد، و ابن السكن عن ام معبد و البزار، و لا غنى عن ذكرها في هذا الموطئ،
روى الطبراني و الحاكم و صححه، و ابو نعيم، و ابو بكر الشافعي عن حبيش بن خالد اخي أم معبد
رضي اللّه عنهما، و ابن السكن عن أم معبد: ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو و أبو بكر، و مولى ابي بكر عامر بن فهيرة و دليلهم الليثي عبد اللّه بن الأريقط، مروا على خيمة ام معبد الخزاعية، و هي لا تعرفه، و كانت برزة [و هي الكهلة التي لا تحتجب احتجاب الشواب و هي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس تحدثهم، من البروز و هو الظهور].
جلدة [قوية] تحتبي بفناء القبة ثم تسقي و تطعم، فسألوها لحما و تمرا ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، و إذا القوم مرملون [أي نفد زادهم] مسنتون [أي أجدبوا و أصابتهم سنة و قحط].
فقالت و اللّه لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم، فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى شاة في كسر الخيمة [أي جانبها] فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: هي أجهد من ذلك.
قال: أ تأذنين لي أن أحلبها؟
قالت: بأبي أنت و أمي نعم، ان رأيت بها حلبا فاحلبها، فو اللّه ما ضربها فحل قط [أي ما ألقحها فحل] فشأنك بها.
فدعا بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فمسح بيده ضرعها و ظهرها، و سمّى اللّه عز و جل و دعا لها في شاتها، فتفاجّت [فتحت ما بين رجليها للحلب] عليه، و درّت، و دعا بإناء يربض [يروي] الرهط، فحلب فيه ثجّا [كثيرا]، حتى علاه البهاء [بريق الرغوة]، ثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) آخرهم، و قال: «ساقي القوم آخرهم شربا». [أخرجه الترمذي و ابن ماجة]،
ثم حلب فيه ثانية بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها. فبايعها و ارتحلوا عنها.
فقلّ ما لبث ان جاء زوجها أبو معبد، يسوق أعنزا عجافا يتساوكن [تتمايل من ضعفها] هزالا، فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد و الشاة عازب و لا حلوب في البيت [و الشاة العازب اي بعيدة المرعى لا تأوي المنزل في الليل، و لا حلوب اي لا شاة تحلب].
قالت: لا و اللّه إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا و كذا.
قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة [الحسن]، أبلج الوجه [مشرق]،