دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٧٦ - باب ذكر ما لقي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أصحابه رضي اللّه عنهم من أذى المشركين حتى أخرجوهم
(١) فغمزوه بمثلها فوقف ثم
قال: «أ تسمعون يا معشر قريش: أما و الذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذّبح» فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا و كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة [١٢] قبل ذلك ليرفؤه [١٣] أحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدا فما أنت بجهول.
فانصرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر و أنا معهم فقال بعضهم لبعض. ذكرتم ما بلغ منكم و ما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبيناهم على ذلك طلع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فوثبوا اليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون أنت [١٤] الذي تقول كذا و كذا لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم و دينهم، فيقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): نعم أنا الذي أقول ذلك، فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه
و قام أبو بكر الصديق [رضي اللّه عنه] [١٥] يبكي دونه و يقول: ويلكم أ تقتلون رجلا أن يقول: ربّي اللّه، ثم انصرفوا عنه و إن ذلك لأكثر ما رأيت قريشا بلغت منه قط.
و في هذا الحديث: أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أوعدهم بالذّبح و هو القتل في مثل تلك الحال ثم صدق اللّه تعالى قوله بعد ذلك بزمان فقطع دابرهم، و كفى المسلمين شرهم».
قال البخاري: و قال عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: قيل لعمرو ابن العاص. قلت و كذلك قاله سليمان بن بلال عن هشام.
[١٢] (الوصاة): الوصية، يعني الذين كانوا يحرصون عليه و يوصون بإيذائه.
[١٣] (يرفؤه): يهدئه، و يسكنه.
[١٤] في (م): «أ أنت».
[١٥] الزيادة من (ح)، و من سيرة ابن هشام.