دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٨ - باب ما جاء في بناء الكعبة على طريق الاختصار، و ما ظهر فيه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من الآثار
(١) يضيّعنا. ثم رجعت.
و انطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثّنيّة حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات، و رفع يده و قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي حتّى بلغ: لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [٣٤] فجعلت أمّ إسماعيل ترضع إسماعيل و تشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت و عطش ابنها و جاع، و جعلت تنظر إليه يتلوّى- أو قال: يتلبّط- قال: فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصّفا أقرب جبل من الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فهبطت الصّفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، وسعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات.
قال النّبيّ، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلذلك [سعى الناس] [٣٥] بينهما.
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه- تريد نفسها- ثم تسمّعت أيضا فسمعت، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم يبحث بعقبه- أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّضه [٣٦] و جعلت تغرف من الماء في سقائها، و هي تفور بقدر ما تغرف.
* قال ابن عباس: فقال النبي، (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، يرحم اللّه أمّ إسماعيل، لو تركت زمزم- أو قال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينا معينا.
فشربت و أرضعت ولدها، و قال لها الملك: لا تخافي من الضّيعة، فإنّ
[٣٤] الآية الكريمة (٣٧) من سورة إبراهيم.
[٣٥] الزيادة من (م) و (ص)، و هي موافقة لصحيح البخاري.
[٣٦] في (ه) و (ح): تحوّطه، و في (ص): تخوضه، و أثبتّ ما في (م)، و هو موافق لرواية البخاري، و معناه: «تجعله كالحوض لئلا يذهب الماء».