دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٦٧ - باب مكر المشركين برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عصمة اللّه رسوله و إخباره إياه بذلك حتى خرج مع أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه مهاجرا
(١) ابن إسحاق، قال: «فلما أيقنت قريش أن محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد بويع، و أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من كان بمكة من أصحابه أن يلحقوا بإخوانهم بالمدينة تآمروا فيما بينهم، فقالوا: الآن فأجمعوا في أمر محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فو اللّه لكأنه قد كر عليكم بالرجال فأثبتوه أو اقتلوه أو أخرجوه، فاجتمعوا له في دار الندوة ليقتلوه فلما دخلوا الدار اعترضهم الشيطان في صورة رجل جميل في بتّ له و البت:
الكساء [٣] فقال: أدخل، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل نجد سمع بالذي اجتمعتم له، فأراد أن يحضره معكم، فعسى أن لا يعدمكم منه رأي و نصح، فقالوا: أجل فادخل.
فلما دخل قال بعضهم لبعض قد كان من الأمر ما قد علمتم فأجمعوا في هذا الرجل رأيا واحدا، و كان ممن اجتمع له في دار الندوة: شيبة و عتبة ابنا ربيعة، و أبو جهل بن هشام، و النضر بن الحارث، فقال قائل منهم أرى أن تحبسوه و تربّصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء:
زهير بن أبي سلمى، و النابغة، و غيرهما.
فقال النجدي: و اللّه ما هذا لكم برأي، و اللّه لئن فعلتم ليخرج رأيه و حديثه حيث حبستموه إلى من وراءه من أصحابه، فأوشك أن ينتزعوه من أيديكم، ثم يغلبوكم على ما في أيديكم من أمركم، فقال قائل منهم: بل نخرجه فننفيه من بلادنا، فإذا غيّب عنا وجهه و حديثه فو اللّه ما نبالي أين وقع من البلاد، و لئن كان أجمعنا بعد ذلك أمرنا و أصلحنا ذات بيننا، قال النجدي: لا و اللّه ما هذا لكم برأي، أما رأيتم حلاوة منطقه و حسن حديثه و غلبته على من يلقاه دون من خالفه، و اللّه لكأني به إن فعلتم ذلك قد دخل على قبيلة من قبائل
[٣] و هو الكساء الغليظ المربع، و قيل الطيلسان من خز، و في تهذيب اللغة: «البت ضرب من الطيالسة، يسمى الساج مربع غليظ أخضر، و جمعه: أبت، و بتات، و بتوت. و في الصحاح للجوهري: البتي الذي يعمله، و منه: عثمان بن سليمان البتي المحدث، كان يبيع البتوت.