الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٨٤ - ما يستفاد من حديث إسلام أبي ذر
الفتى اليافع و الناشئ كان يعتز بنفسه، و يثق بها، فيدعو أبا ذر ليكون ضيفه ثلاثة أيام، ثم هو يساعده على الوصول إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بشكل ذكي و حذر، ثم هو يتركه ثلاثة أيام لا يسأله عن أمره حتى لا يشعر هذا الضيف بأن مضيفه ربما يكون قد ضاق به ذرعا، أو ملّ وجوده؛ و ليكون قد أتاح له الفرصة ليستأنس في هذا البلد الذي يراه غريبا عليه، و يألفه، و يرتاح إليه نفسيا، كما ارتاح جسديا؛ و ليكون أنفذ بصيرة، و أكثر اطمينانا في بيان حاجته التي جاء من أجلها.
ثامنا: إن جهر أبي ذر بإسلامه، و تعريضه نفسه للضرب و الإهانة من قبل المشركين، إنما يعكس لنا مدى اعتزاز أبي ذر بإسلامه هذا، و مدى استعداده للتضحية في سبيله، ثم هو يعكس مدى حنق قريش و رعونتها في مواجهة الدعوة إلى اللّه تعالى، حتى إنها تنسى: أن من تبطش به ربما يكون في المستقبل سببا في عرقلة تجاراتها إلى الشام، و مضايقتها اقتصاديا.
نعم، تنسى ذلك، و تهجم عليه لتضربه، ثم ترتد عنه لا بدافع إنساني، و لا عن قناعة فكرية، و إنما لدوافع اقتصادية دنيوية، تعكس أنانيتها، و مستوى تفكيرها أولا و أخيرا، و لا شيء أخطر على الإنسان من الأنانية التي ربما تضع على عينيه غشاوة؛ فلا يبصر الحق الأبلج، و لا يهتدي سواء السبيل.
تاسعا: لعل أبا ذر قد أراد كسر شوكة أعداء الإسلام، و فتح ثغرة في هذا الجبروت، ثم كسر حاجز الخوف لدى المسلمين، ليتشجعوا على مواجهة الأخطار، و ضرب المثل الحي لهم في مجال التضحية من أجل الدين و الحق، كما أن ذلك لسوف يؤثر على من يميلون إلى هذا الدين و يتعاطفون