الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٤٤ - الهجرة إلى الحبشة
تبقى لديهم من تعاليم السيد المسيح «عليه السلام» كما ربما يستفاد مما جرى لجعفر مع ملك الحبشة في أمر عيسى، فيمكن لهؤلاء الثلة من المسلمين المهاجرين أن يعيشوا مع هؤلاء الناس، و أن يتعاملوا معهم، لا سيما و أنها بلاد لم يكن فيها من الانحرافات و الأفكار و الشبهات ما كان في بلاد الروم و الفرس، التي كانت قد لوثتها المفاهيم و النظريات اللاإنسانية، و الأديان المنحرفة إلى حد بعيد، و لم تتعرض بلاد الحبشة لمثل ذلك، فلم تنشأ فيها أديان، و لا كان فيها علماء و فلاسفة بالمستوى الذي كان في دولتي الروم و الفرس فكانت أقرب إلى الفطرة و الحق من غيرها.
و لكن هيمنة الفطرة على بلاد الحبشة ليس معناه خلو تلك البلاد عن أي انحراف، فإن وجود الانحراف فيها أمر طبيعي، بل إن ذلك على حد قولهم: أهل البلد الفلاني مؤمنون، أو شجعان، أو كرماء، فإن ذلك لا يمنع وجود البخيل و الكافر أو الفاسق و الجبان فيها.
و من الواضح: أن المسلمين لو هاجروا إلى بلاد لا تهيمن عليها الفطرة، و كان لها ملك لا يأبى عن الظلم فلسوف تصعب عليهم الحياة و الاستمرار فيها، و لم يكن لهجرتهم من بلادهم كبير فائدة، و لا جليل أثر.
الهجرة إلى الحبشة:
و هاجر المسلمون بأمر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الحبشة، ذهبوا إليها إرسالا على حسب رواية أم سلمة، [١]و يقال: إنه سافر أولا
[١] السيرة النبوية لابن كثير ج ٢ ص ١٧، و البداية و النهاية ج ٣ ص ٧٢ و تاريخ الخميس ج ١ ص ٢٩٠ عن الصفوة و المنتقى.