شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٩٥ - الشرح
ذاته فهو كذلك، لانه تام في فاعليته كما هو تام في ذاته، لكن لا يلزم من ذلك نفي الغاية و الداعي عن فعله مطلقا حتى يلزم العبث و الجزاف، تعالى عما يظنّه الجاهلون، بل علمه بنظام الخير الذي هو نفس ذاته علّة غائية و غرض بالذات لفعله وجوده، و هذا مما ساق إليه الفحص و البرهان و شهدت به عقول الفحول و اذهان الاعيان.
قال ابو علي بن سينا في تعليقاته: و لو انّ انسانا عرف الكمال الذي هو واجب الوجود بذاته ثم كان ينظم الامور التي بعده على مثاله حتى كانت على النظام و الاحكام لكان غرضه بالحقيقة واجب الوجود بالذات الذي هو الكمال، فان كان واجب الوجود هو الفاعل فهو أيضا الغاية و الغرض. انتهى[١].
ثم نقول: كما ان المبدأ الاوّل غاية الاشياء بالمعنى المذكور فهو أيضا غاية بالمعنى الثاني، و ذلك لان جميع الاشياء طالبة لكمالاتها متوجهة الى الخير و متحركة في تحصيل ذلك الكمال بحسب اقصى ما يتصور في حقها، كما ترى المبادى الطبيعية يتوجه الى كمالاتها و غاياتها المترتبة في الشرف و الفضيلة، فيتوجه دائما اخسها الى اشرفها و يتقلب ادناها الى ارفعها، و هكذا من الاخس الى الاشرف فالاشرف، و من الادنى الى الارفع فالارفع، الى ان يصير اخر الاكوان الطبيعية اوّل الاكوان النفسانية و آخر منازل الدنيا أوّل منازل العقبى.
فالموجودات على ترتيبها منازل و مراحل الى اللّه تعالى، فلكل منها عشق و شوق إليه، اراديا كان او طبيعيا، و لهذا الحكماء المتألهون المقتبسون انوار علومهم من مشكاة نبوّة الأنبياء : حكموا بسريان نور العشق و الشوق في جميع الموجودات على تفاوت طبقاتها في الوجود، ف لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها[٢]، و إليه الاشارة أيضا في قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[٣].
و ذكروا أيضا و هو الحقيق بالتحقيق: ان الفواعل الطبيعية و غيرها لا تفعل شيئا الا لما فوقها، فان القوى الارضية أيضا كالنفوس الفلكية و الملائكة السّفلية كالملائكة العلوية في
[١]- لكثرة اختلاف النسخة ننقل هذه الفقرة برمتها: و لو ان انسانا عرف الكمال الذي هو حقيقة واجب الوجود ثم كان ينظم الامور التي بعده على مثاله حتى كانت الامور على غاية النظام لكان الغرض بالحقيقة واجب الوجود بذاته الذي هو الكمال، فان كان واجب الوجود بذاته هو الفاعل فهو أيضا الغاية و الغرض« التعليقات».
[٢]- البقرة ١٤٨.
[٣]- الاسراء ٤٤.