شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٧٠ - الشرح
الحديث التاسع و هو الثالث و الستون و المائتان
«محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن ابن ابي نجران عن عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه ٧ في قول اللّه تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، قال احاطة الوهم الا ترى الى قوله: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ[١] ليس يعني به بصر العيون. فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ[٢]، ليس يعني من ابصر بعينه. وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها[٣]، ليس يعني عمى العيون، انما عنى احاطة الوهم كما يقال: فلان بصير بالشعر و فلان بصير بالفقه و فلان بصير بالدراهم و فلان بصير بالثياب، اللّه اعظم من ان يرى بالعين»..
الشرح
لما سئل ٧ ما في معنى قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، و ما زعمته العامة من ان المراد نفي الرؤية المعتادة بهذا البصر الحسّي، حاول ان ينبّه على ان المراد ليس ما زعموه، لانه امر مستغن عنه و ذاته تعالى اجل و اعظم من ان يحتمل في حقه ذلك المعنى حتى تصير الآية محمولة على نفيه، فاشار الى ان المراد من الآية نفي احاطة الوهم به عنه و ان الابصار ليست هاهنا بمعنى العيون بل بمعنى العقول و الاوهام.
ثم استدل على ذلك بما جاء في القرآن و في عرف اهل اللسان[٤]، منه قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ، و هي جمع البصيرة اطلقت على ما يبصر به و يزيد في القوة، و المراد بها آيات اللّه المنزلة التي يتجلى الحق فيها و يبصرها، و معلوم انه ليس يعني بها ابصار العيون، اذ ليست الآيات مبصرة بالعين الحسي بل مدركة بالعقول، و تذكير الضمير في قوله يعني باعتبار لفظ البصائر لانه لفظ مفرد و جمعيته باعتبار المعني. و منه قوله: فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، و ظاهر ان ليس المراد به من ابصر آيات اللّه بعينه، لانها ليست محسوسة بهذا الحسّ العيني.
و منه قوله تعالى: وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها، على قياس ما ذكر في فَمَنْ أَبْصَرَ، ليس المراد عمى العيون و لكن عمى القلوب كما في قوله تعالى: لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[١]- الانعام ١٠٥.
[٢]- الانعام ١٠٥.
[٣]- الانعام ١٠٥.
[٤]- البصر من القلب نوره الذي به يدرك حقائق الاشياء و بواطنها و هو الذي يسمّيه الحكماء القوة القدسية و العاقلة النظرية كالبصيرة. الجمع: ابصار و بصائر« طراز اللغة».