شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٧ - الشرح
من زمان وجود عمرو، و في القدم بعكس ذلك، اي ما مضى من زمان وجود شيء أكثر من ما مضى من زمان وجود شيء آخر، فالأطول زمانا قديم بالقياس الى الاقصر زمانا و بالعكس، فشيء واحد قد يكون حادثا و قديما بالقياس الى شيئين، فهما القدم و الحدوث العرفيان. و أمّا الثاني فيطلق كلّ منهما على معنيين، أحدهما الزّماني.
فمعنى الحدوث الزماني حصول الشيء بعد أن لم يكن بعدية لا يجامع البعد القبل في الحصول، و مقابله القدم الزّماني، فالقديم الزماني ما لا يكون لوجوده بدء زماني، و ثانيهما الغير الزّماني منهما و يسمّيان بالحدوث و القدم الذّاتين، فالحدوث الذّاتي ما يكون وجود الشيء مستندا الى غيره، و القدم الذّاتي ما لا يكون كذلك بل يكون موجودا بذاته لا بغيره، فالحادث الذّاتي ما لا يقتضي ذاته وجوده و لا عدمه فيكون ممكن الوجود، و القديم الذاتي ما يقتضي ذاته الوجود و هو الواجب الوجود.
الثانية انّ الحادث بكلا المعنيين يحتاج الى سبب مؤثر في وجوده، لانّ منشأ الافتقار له الى السبب انّما هو ذاته لصفة الامكان، و ذلك لا يختصّ بزمان حدوثه دون زمان بقائه كما توهّمه أكثر علماء العامة و زعموا انّ الشيء اذا حصل عن موجده استغنى عنه في البقاء و الا يلزم تحصيل الحاصل، حتّى انّهم تجاسروا في القول بانّه لو جاز العدم على البارئ لما ضرّ عدمه وجود العالم، تعالى عمّا يقوله الظّالمون علوّا كبيرا.
الثالثة انّه لما ثبت افتقار الحادث بكلا القسمين الى الموجد فاعلم: انّ أعلى ضروب الايجاد هو الابداع و هو تأييس الشيء من الليس المطلق و العدم المحض، لانّه يطرد العدم عن الذات الممكنة رأسا لا كالاحداث الذي يزيل العدم عنها في وقت دون وقت.
فالبارئ جل اسمه هو المبدع للعالم كلّه ابداعا كلّيا و افاضته دائمة من قبله بلا منع و تقتير و بخل و تقصير، الّا انّ العالم الجسماني المشتمل على الأجرام السمائية و الارضية و ما يتعلّق بهما من الطبائع و النّفوس و القوى ممّا لا يحتمل التسرمد و البقاء بل كلّها حادثة متجدّدة الوجود و الناس في غفلة من هذا بل هم في لبس من خلق جديد[١]، و نحن بفضل اللّه و تاييده قد أحكمنا ذلك و شيّدنا أركانه بدعائم البراهين الحكميّة و أساطين القوانين اليقينيّة التي لم يسبق بمثلها أحد من المتقدمين و المتأخرين، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء[٢].
[١]- ق ١٥.
[٢]- الجمعة ٤.