شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٢ - الشرح
الامر و الكلمة، فانّ امره ليس حرفا و صوتا بل جوهرا قدسيا، و سمّى عالم الخلق خلقا لانّه اوجده اللّه بالوسائط من شيء كقوله: وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ[١] فلمّا كانت هذه الموجودات مخلوقة بالوسائط من شيء أي مادة مستحيلة كائنة فاسدة سمّاها الخلق و خلقها للفناء لا للبقاء.
فعلم ممّا ذكرنا انّ قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي[٢]، انّما هو لتعريف الروح، عني به انه من عالم الامر و البقاء لا من عالم الخلق و الفناء، و انّه ليس على الاستبهام كما ظنّه جماعة انّه تعالى ابهم علم الروح على الخلق و استأثر لنفسه حتى قالوا ان النّبي ٦ لم يكن عالما به، و هذا غاية الجهل برتبة النبي ٦، فان الروح الامري هو حقيقة ذاته فكيف لا يعرف هو ذاته و نفسه و قال: من عرف نفسه فقد عرف ربه؟
فكيف يجوز ان يقال انّه لم يعرف نفسه و لا ربّه؟ و اكثر الخلائق لمّا لم يبلغ نفوسهم الى مقام الروح، فهم لا جرم بمعزل عن معرفة الروح، و اما النبي فجل منصبه و هو حبيب اللّه و نبيّه ان يكون جاهلا بالرّوح مع انّه عالم باللّه، و قد منّ اللّه عليه بقوله: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً[٣]، و امّا سكوته عن الجواب عن سؤال الروح و توقفه انتظار الوحي حين سألته اليهود لغموض يرى في معناه و دقة لا يفهمها اليهود لبلادة طباعهم و قساوة قلوبهم، و انّه ما يعقلها الّا العالمون.
بل الحق انّ الرّوح لبساطتها و كونها نفس مرتبة من حقيقة الوجود، لا يمكن كشفها لاحد و لا تعريفها الّا بهذا التعريف الالهي، فهوية الروح نشأت من امر اللّه، و لهذا وقع الاختلاف في كونها قديمة أو حادثة.
و في قوله ٧: هي روح اللّه مخلوقة في آدم و عيسى، دقيقة يجب التنبيه عليها، و هي انّه قيد كونها مخلوقة في آدم و عيسى و لم يقل مخلوقة على الاطلاق بلا قيد، و قد قال نبينا ٦: كنت نبيا و آدم بين الماء و الطّين.
فاعلم انّ الارواح كلّها مخلوقة من روح واحدة هي روح النبي ٦ و روحه اصل الارواح و لهذا سمّى اما، اي أمّ الارواح، كما ان اللوح المحفوظ أمّ الكتاب
[١]- الاعراف ١٨٥.
[٢]- الاسراء ٨٥.
[٣]- النساء ١١٣.