شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٦١ - الشرح
و جلاء صارت اعيانا حضورية، كما ان الخيال اذا قوي صير حسا باطنيا و الامر المتخيل اذا تأكد ظهوره و رسوخه يصير مثالا عينيا يترتب عليه الآثار الوجودية. فنقول من الرأس: ان المدركات تنقسم الى ما يدخل تحت الخيال، كالصور الجزئية من الاجسام المتشكلة و ألوانها و مقاديرها و اشكالها و طعومها و روائحها و اصواتها، و الى ما لا يدخل تحت الخيال، كذات اللّه و صفاته و كل ما ليس بجسم و لا جسماني، سواء كان من الصفات كالعلم و القدرة و الإرادة و غيرها او من الذوات كذات العقل و النفس و كطبائع الماهيات و الكليات.
فالذي من القسم الاول اذا وقع في الخيال، كمن رأى انسانا ثم غمض بصره، وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ينظر إليها، و لكن اذا فتح العين و ابصر وجد تفرقة بين الادراكين، و المدرك امر واحد و لا ترجع التفرقة الى اختلاف بين الامرين في الصورة، اذ الصورة واحدة كما قلنا و انما الافتراق لزيادة الوضوح و الكشف، فان صورة المرئي صارت بالرؤية اتم انكشافا، و هو كشخص يرى في وقت الاسفار قبل طلوع الشمس و انتشار ضوئها ثم يرى عند تمام الضوء، فانه لا يفارق الحالة الاخرى للاولى الا في مزيد الانكشاف.
فاذا الرؤية هي استكمال لادراك[١] الخيال و هو غاية الكشف، و سمي ذلك رؤية لانه غاية الكشف لا لانه في العين، بل لو خلق الادراك الكامل لقوة في غير هذا العضو كالجبهة او كالصدر لكان رؤية أيضا.
بل يجب ان يعلم هاهنا ان القوة الخيالية للانسان هي في جوهرها اقوى ادراكا و ادوم مدركا من هذا البصر الذي في العين و غيره من الحواس الظاهرة، لكن النفس مشغولة عنها بشواغل الطبيعة البدنية ما دامت هذه الحياة، و لا جل ذلك يكون ادراكات هذه الحواس الظاهرة اقوى و اجلى عند الانسان، فاذا خلعت عن ذاتها هذا البدن الطبيعي و تلبّست بلباس الحشر و كسوة الآخرة كانت، ترى[٢] الصور الجزئية بعين الخيال و يكون رؤية الخيال عند ذلك أقوى و أوضح و اصدق و أصحّ من رؤية البصر.
و أيضا ينبغي ان يعلم ان الصورة الخيالية اذا اشتدت و قويت لا تصير حسية طبيعية، اذا الصورة الغير المادية لا تصير بالاستكمال مادية و لا المادية بالاشتداد تصير مفارقة
[١]- الادراك- ط.
[٢]- يرى- م- د.