شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٧ - الشرح
و بينه، و تلك القوة ذاتها منخرطة مضمحلة في ذات النفس و فعلها و تصرفها في فعل النفس و تصرفها، فهكذا يجب ان يتصور استواء الرحمن، فانّه بواسطة قوة نفسانية عملية و اخرى عقلية علمية متوسطتين بينه تعالى و بين العرش، فعلهما فعله تعالى و تصرّفهما فيه تصرفه و استوائهما عليه استوائه، فمن هذه الجهة يكون اطلاق الاستواء على العرش عليه تعالى على الحقيقة دون التخيل المحض، كما زعمه القفال و موافقوه من المفسّرين، و لا أيضا بمعنى الاقتدار فقط، بل كما تنسب الافاعيل الاختيارية الصادرة من البدن كالكتابة و الضحك و المشي الى النفس.
فتقول: انا كتبت و ضحكت و جئت و غير ذلك، و المشار إليه بانا جوهر مجرّد عن البدن، و ليست هذه الاقوال مجازات او تخييلات و استعارات، بل لانّ القوة التي تباشر هذه التحريكات باذن اللّه، منبعثة من النفس متصلة بالبدن، فهي كاليد السافلة للنفس بها يفعل الافاعيل.
فهذه انموذجة لك لو حققتها و علمتها انحلت لك عقدة الاشكالات الناشئة من المتشابهات التي لا يعلم تأويله الّا اللّه و الراسخون في العلم مثل قوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ[١]، و قوله: وَ جاءَ رَبُّكَ[٢]، و قوله: وَ هُوَ مَعَكُمْ[٣] و قوله: وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى[٤] و غير ذلك من الآيات. و قوله ٦: قلب المؤمن بين اصبعين، قلب المؤمن عرش اللّه، و وضع اللّه بكتفي يده، و امثال هذا، فالراسخ في العلم من عرف ذاته تعالى في غاية التنزيه و التقديس، و لا يحجب توحيده هذا عن الايمان و العرفان بجميع تلك الآيات المشعرة بالتشبيه و لا منافاة عنده بين قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و بين قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى و قوله: وَ جاءَ رَبُّكَ و غيرهما، و هذا من فضل اللّه الذي يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ*، و لا يحصل هذه السعادة بقوة النظر و الاستدلال و مباشرة القيل و القال، هذا و لنرجع الى المتن.
فقوله ٧: استوى على كل شيء، اراد به ما اشرنا إليه من معيته القيومية و اتصاله المعنوي بكل شيء على الوجه الذي لا ينافي احديّته و قدس جلاله، و امّا من توهم
[١]- الفتح ١٠.
[٢]- الفجر ٢٢.
[٣]- الحديد ٤.
[٤]- الانفال ١٧.