شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٥٦ - الشرح
الموجودات المعلومية التي ليست متخيلة كالعلم و القدرة و غيرهما، و كذا في ذات اللّه و صفاته، بل يكاد يدرك ضرورة من الطبع انه يتقاضى طلب مزيد استيضاح في ذات اللّه و صفاته و في ذات هذه المعاني المعلومة كلها.
فنحن نقول: ان ذلك غير محال فانه لا يحيله العقل، بل العقل دليل على امكانه بل على استدعاء الطبع له، الا ان هذا الكمال في الكشف غير مبذول في هذا العالم و النفس في شغل البدن و كدورة صفاته، فاذا بعثر ما في القبور و حصل ما في الصدور[١]، و زكيت النفس بالشراب الطهور و صفيت بانواع التصفية و التنقية لم يمتنع ان تستعد[٢] بسببها لمزيد استكمال و استيضاح في ذات اللّه و في سائر المعلومات، و يكون ارتفاع درجته عن العلم المعهود كارتفاع درجة الابصار عن التخيل، فيعبّر عن ذلك بلقاء اللّه تعالى او مشاهدته او رؤيته او ابصاره.
فاذا كان ذلك ممكنا فان[٣] خلقت هذه الحالة في العين كان اسم الرؤية بحكم وضع اللغة عليه اصدق و خلقه في العين غير مستحيل، كما ان خلقه في القلب غير مستحيل.
فاذن اذا فهم المراد بما اطلقه اهل الحق من الرؤية و علم ان العقل لا يحيله بل يوجبه و ان الشرع قد شهد له، فلا يبقى للمراوغة[٤] وجه الا على سبيل العناد او المشاحة في اطلاق عبارة الرؤية او القصور عن درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرنا. انتهى كلامه.
اقول: جميع ما ذكره من القاء الخصوصيات في جانب الرائي و محل الادراك و في جانب المرئي و متعلق الادراك و في كون الرؤية استكمال الادراك و ان نسبتها الى العلم كنسبتها الى التخيل حق و صدق و نعم العون على ما نحن بصدده من اثبات الرؤية العقلية للعقول المجردة الكاملة، الا انه لا يفيد مطلوبه من اثبات الابصار لهذه القوة الجسمانية لذات البارئ جل عزه لما ذكرنا من البرهان و ما ذكره من كون خصوصية المحل غير ركن في تحقق معنى الرؤية، و اطلاق الاسم و اثباته بمجرد ذلك جواز رؤية ذات اللّه بهذا العين مغالطة نشأت من الخلط بين مطلوب ماء الشارحة و مطلوب هل البسيطة، فان بمجرد ان لو فرض انكشاف الامر العقلي او ذات اللّه على القوة التي في العين لكان ذلك الانكشاف رؤية
[١]- العاديات ٩ و ١٠.
[٢]- تشتغل« الاقتصاد».
[٣]- بان« الاقتصاد».
[٤]- راوغ مراوغة: صارعه- خادعه. للمنازعة« الاقتصاد».