شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢ - مقدمة الشارح
الكمالات التّامات، و كلّ متحرك يشهد بزواله و دثوره و كلّ متشوق يؤذن بقصوره و فتوره، و ما من ممكن إلّا و هو مشتاق أو سالك فاللّه الباقي و كلّ شيء هالك.
شهد اللّه انّه لا إله إلّا هو[١] و ان كل ذي هوية باطل إلّا وجهه، و أنّ محمدا ٦ عبده المختار و صفوة انبيائه الأخيار الّذي بعثه بالانوار السّاطعة و ايده بالبراهين و الحجج القاطعة، و جعله واسطة ايجاد الارواح و الاكوان و غاية خلقة الافلاك و الاركان و الحد المشترك بين الوجوب و الامكان، و ارسله بالحق الى الخلق بشيرا و نذيرا و داعيا الى اللّه باذنه و سراجا منيرا، اللّهم فصل عليه ما تعاقبت الادوار و الاوقات و دامت الارض و السّماوات، و على آله الّذين بهم كملت الولاية و بولايتهم تمت المعرفة بالدين و الهداية و بانوار تعليمهم و ارشادهم عرف التّوحيد و النّبوة و بقائمهم قامت القيامة.
امّا بعد: فلمّا كان المقصود الاوّل من بعثة الأنبياء و الرّسل بالكتب الالهية و النّواميس الشرعيّة انّما هو جذب الخلق الى الواحد الحق و معالجة نفوسهم من داء الجهل و العمى و خلاصهم من عشق الدّنيا ورق الطّبيعة و عبودية الهوى، و تشويقهم الى حظائر القدس و منازل الابرار و المقرّبين و تنبيههم عن مراقد الابدان و نوم الغافلين و تذكيرهم ما اخذ عليهم الميثاق و العهد القديم و السّلوك بهم الى الصراط المستقيم لقوله تعالى: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَ أَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ»[٢].
و لا شك عند ذوي البصيرة انّ هذا السّلوك و عبودية الحق لا يمكن الّا بمعرفة التوحيد و العمل بمقتضى الطّهارة و التّجريد، فالتّوحيد أعلى منازل الدّين و اشرف مقامات المقرّبين و هو في نفسه غامض دقيق من حيث العلم و هو شاق صعب من حيث العمل و التّوكل.
امّا وجه غموضه من حيث الفهم: فانّ اكثر ذوي المدارك و الافهام عمت ابصارهم و ضلّت افهامهم عن درك الحق فوقعوا بين تجسيم و تكثير في ذاته كالحنابلة و المجسمة، و بين
[١]- آل عمران ١٨.
[٢]- يس ٦٠ و ٦١.