شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٦٣ - الشرح
رؤية.
فاذن رؤية اللّه حق بشرط ان لا يفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة و مكان، فان ذلك مما يتعالى عنه رب الارباب علوا كبيرا، بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية من غير تخيل و تصور و تقدير شكل و كيف فتراه في الآخرة كذلك.
بل نقول: ان المعرفة الحاصلة في الدنيا هي التي تستكمل فيبلغ كمال الكشف و الوضوح و ينقلب مشاهدة، و لا يكون بين المشاهدة في الآخرة و المعلوم في الدنيا اختلاف الا من جهة زيادة الكشف و الوضوح و تأكد الوجود و قوة القوام، كما في استكمال الخيال بالرؤية، و إليه الاشارة بقوله: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا[١].
و كما ينكشف له بذلك النور ذات اللّه و صفاته عيانا فكذلك يشاهد عالم الربوبية و يعاين الحضرة الالهية بلا كسوة المثال و صورة الخيال.
و اما اذا كانت النفوس ملوثة بالكدورات الدنياوية غير منفكة عن رذائل الصفات و خبائث الملكات، فان كانت جاهلة و الخبائث و الاصدية متراكمة فلا تقبل الاصلاح و التهذيب، فهؤلاء هم المحجوبون عن رب العالمين ابد الآبدين كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[٢].
و ان كانت مسلمة عارفة و الخبائث غير راسخة و لا منتهية حد الطبع و الرين و لم يخرج عن قبول التزكية فتعرض على النار عرضا يقمع منه الخبث المتدنس به، و يكون العرض على النار بقدر الحاجة الى التزكية، و اقلها لحظة و اقصاها في حق المؤمنين كما في بعض الاخبار سبعة آلاف سنة، فاذا اكمل اللّه تطهير النفس و بلغ الكتاب اجله و وقع الفراغ عن جملة ما وعد به الشرع فعند ذلك يستعد للقاء اللّه و الحضرة الالهية.
فان كان ما حصّله في الدنيا من الاصول الدينية علوما حقيقية حاصلة من جهة البرهان و اليقين فيلحق بالملإ الاعلى و يشرب شراب المقربين من الكأس الاوفى مطالعا جمال اللّه و جلاله بعين العقل و حقيقة العرفان.
[١]- التحريم ٨.
[٢]- المطففين ١٥.