شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٠ - انارة كشفية
بالاضطرار في الافكار، فلا يملك قلبه قلبه و لا نفسه نفسه، فيشتهي الشيء فربما يكون هلاكه فيه، و يكره الشيء و يكون حياته فيه، يستلذ الاطعمة و يهلكه و يستبشع الادوية و هي تنفعه.
و بالجملة لا يزال يرد على نفسه التي هي اقرب الشيء إليه الاحوال من عالم الغيب من غير اختيار له في جعلها او دفعها فهو من مقدورات اللّه بلا شبهة، و ليست هي كالمشي و الكتابة و القيام و القعود و الاكل و الشرب و غيرها ممّا يشتبه على الناس انها مقدورة للّه او مقدورة لهم، مع ان الكل بقضائه و قدره، الّا ان الضرب الاول اضطراري محض للعباد و الضرب الثاني مما لهم فيه اختيار في عين الاضطرار كما ستعلم فيما يجيء من الاحاديث و شرحها، و لذلك خص الصادق ٧ البيان بما هو من الضرب الاول يعني الاحوال و الملكات دون الافعال و الحركات، فلا يمكن لاحد ان يجحد كونها من قدرة اللّه.
فان رجع احد و قال: لما كان السبب في عدم ظهوره تعالى للخلق حتى شاهدوه و سمعوا دعوته و اجابوه تقدّس ذاته و تجرده و كثافة ذواتهم و تجسّمهم، فما السبب المانع في ان اللّه او بعض ملائكته يظهر لعباده في الدنيا على سبيل التمثل و التّصور كما تمثل الملك و هو روحانى بصورة جسمانية كما تمثل جبرئيل ٧ للنبي ٦؟
فالجواب: ان ذلك على تقدير جوازه غير نافع لهم و لا دافع للالتباس الواقع لهم، اذ لا فرق عند الحسّ المشترك بين كون المحسوس صورة بشرية من الخارج او تمثلا ملكيّا يبرز من الباطن الى الخارج و الى نحو ذلك اشير في قوله تعالى: وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ[١].
انارة كشفية
اعلم ان اظهر الموجودات و اجلاها هو اللّه سبحانه، لان كلما هو اقوى وجودا فهو اشد ظهورا، اذ الوجود هو النور و اللّه اقوى الموجودات، لان وجودات ما سواه منه و به حصلت و باشراق ذاته عليها ظهرت، فكان هذا يقتضي ان يكون معرفته أوّل المعارف و اسبقها الى الافهام و اسهلها على العقول، و يرى الامر على ضدّ ذلك، فلا بد من بيان السبب فيه، اما بيان انه وجب ان يكون اظهر الاشياء فلنوضحه بمثال و هو: انا اذا رأينا
[١]- الانعام ٨ و ٩.