شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٢ - انارة كشفية
ظهوره و اختفى عن البصائر باشراق نوره.
و أيضا الاشياء قد يستبان باضدادها، و ما عم وجوده و شموله حتى لا ضدّ له كاصل الوجود عسر ادراكه، فلولا غروب لنور الشمس و لا احتجاب له عن بعض مواضع الارض لكنا ظننا ان لا هيئة في الاجسام الا سطوحها و ألوانها، و لكن لما غابت الشمس و اظلمت بعض مواضع الارض[١] ادركنا تفرقة بين الحالين و عرفنا وجود النور بعدمه عند الغروب، و لو لا عدمه ما كنا نطلع عليه الا بعسر شديد، هذا مع ان النور اظهر المحسوسات.
فاللّه سبحانه، هو اظهر الاشياء و به ظهرت الانوار كلها، و لو كان له عدم او غيبة او تغيّر لانهدمت الارض و السماء و لانعدمت الاشياء كلها و بطل الملك و الملكوت و لا دركت به تفرقة بين الحالتين، و لو كان بعض الاشياء موجودا به و بعضها موجودا بغيره لا دركت التفرقة في الدلالة، و لكن وجوده دائم في الاحوال و دلالته عامّة على نسق واحد في الاشياء فلا جرم اورث شدة الظهور خفائه. فهذا هو السّبب في قصور الافهام.
و اما اقوياء البصائر و العقول فانهم شاهدوه و علموا انهم شاهدوه و علموا انّه ليس في الوجود الا اللّه تعالى، و افعاله اثر من آثار قدرته، فهي تابعة له فلا وجود للآثار بما هي آثار، و انما الوجود بالحقيقة للواحد الحق الذي به وجود الافعال، و لا وجود للفعل بما هو فعل الّا بالفاعل، و العالم كلها افعال اللّه تعالى فقط، لا بمعنى ان وجود كل منهما شيء و كونه فعلا للّه شيء اخر غيره، لا بالذات و لا بالاعتبار.
فمن نظر إليها من حيث انها فعل اللّه، لم يكن ناظرا الّا في اللّه و لا عارفا الا باللّه و كان هو الموحد بالحق[٢] الذي لا يرى الا اللّه، بل لا ينظر الى نفسه من حيث نفسه بل من حيث انه عبد اللّه، فهذا المستغرق في الشهود و هو الذي يقال انه فنى في التوحيد و انه فنى عن نفسه، و إليه الاشارة بقول من قال: كنا بنا فغبنا عنا فبقينا بلا نحن.
فهذه امور معلومة عند ذوي البصائر اشكلت لضعف الافهام عن دركها و قصور عبارات العلماء بها عن إيضاحها و بيانها مع سائر الاسباب من جحود الظاهريين من العلماء و انكار اهل الجدل و البحث على من نطق به، و من انس الانسان منذ الصبى عند فقد العقل بالمدركات و المحسوسات التي كلها شواهد على اللّه لا بما هي شواهد، فيبدو فيه غريزة العقل
[١]- بعض المواضع- م- ط.
[٢]- الموجود الحق- م- د.