شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٨ - لطيفة اخرى
لطيفة اخرى
اعلم ان العلوّ علوّان: علوّ مكاني و علوّ معنوي، و الاوّل ذاتي للمكان عرضي للجسم الطبيعي[١] قال تعالى في حق ادريس: وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا[٢] فوصف مكانه بالعلو، و اعلى الامكنة مكان الكرسي؛ و العرش لا مكان له بل هو محدّد و المكان كما انه بحركته محدّد الزّمان، فكل ما هو اقرب الى مكان الكرسي فهو اعلى في المكان ممّا هو ابعد، و يقابله مكان الارض و هو اسفل السافلين و الواقع فيه طبعا كالارض[٣] تكون تحت الاجسام، فكل ما هو اقرب منها اي مكانها الطبيعي فهو اسفل مما هو ابعد، و امّا الثاني[٤] فهو ذاتي للحق لانّه حقيقة الوجود و عرضي للماهيات الموجودة.
فاطلاق الموجود على الماهيات كاطلاق العالي على الاجسام، و اطلاقه على الواجب تعالى كاطلاق العالي على محدد الجهات مكان الكرسي، و اطلاقه على أول المخلوقات كاطلاقه على الكرسي، و اطلاقه على ما بعد المجعول الاول كاطلاق العالي على غير الكرسي من طبقات السموات و العناصر و ما فيها، و خرجت من اطلاق الوجود ماهية الهيولي الاولي، اذ لا وجود لها في ذاتها بالفعل بل بالقوة من جهة الصور، و هي الهاوية المظلمة و اسفل السافلين، كما خرجت من اطلاق العلوّ المكاني الارض و مكانها الذي هو اسفل السافلين.
و قد وصف اللّه هذه الامة المرحومة بالعلوّ المعنوي و المنزلة الوجودية فقال: وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ[٥]، اي في هذا العلوّ، لكونه منزها عن العلوّ المكاني، فيكون المراد العلوّ المعنوي الوجودي.
و وجهه: ان الانسان الكامل أعلى الموجودات، لانه قد سلك سبيل اللّه و خرق الحجب و وصل الى غاية القرب و احاط بالكل علما و حالا، فله المعية الذاتية بالنسبة الى الباري جل أسمه، فيكون فوق الكل بفوقية الحق تعالى، فقد جمع له بالعمل العلوّ المكاني، لان مكانه الجنة و هو أعلى الامكنة، و بحسب العلم الموجب للاحاطة بالحقائق العلوّ المعنوي.
[١]- كما ان الاولية و الآخرية و التقدم و التأخر ذاتي للزمان و عرض لما في الزمان( نوري).
[٢]- مريم ٥٧.
[٣]- كارض ط.
[٤]- اي: علو المعنوي.
[٥]- محمد ٣٥.