شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٢٤ - الشرح
و انما قال: أَيْنَ ما كُنْتُمْ، بذكر المكان ليدلّ على ان المكانية و الجسمية غير مانعة له عن هذه المعية القومية، فهو على غاية تقدّسه و توحده لا يخلو عنه اين و لا مكان و لا يفوته وقت و لا زمان، بل غاية احديته توجب هذه المعيّة و نهاية تنزيهه تقتضي هذه المقارنة و كمال علوّه يؤدي لهذا الدنو، و هذا أيضا من غوامض الالهية و التوحيد الذي يختص بدركه الاعزّة الاقلّون.
و قوله: وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، اشارة الى كيفية علمه بالجزئيات المادية كاعمال بني آدم و نحوها على الوجه الجزئي الحضوري، و ان علمه يرجع الى بصره لا انّ بصره يرجع الى علمه بالمبصرات، كما ذهب إليه اكثر الحكماء و العلماء، و هذا أيضا من عميق مسئلة العلم و دقيق مسلكها.
الآية الخامسة: له ملك السّماوات و الارض و الى اللّه ترجع الامور، اشارة الى ان الموجودات كلها راجعة إليه في حركتها الذاتية و سيرها الجبلي، اذ ما من وجود إلّا و له قوة حافظة على كمال الاول الادنى طالبة لكماله الثاني الاعلى، فكلها متوجهة الى ربّ الارباب متحركة نحو مسبّب الأسباب، و هذا أيضا من الاسرار العجيبة الربانية و العلوم الغريبة القرآنية، و لدقته و غموضه و عظيم فائدته و جليل نفعه تكرر ذكره في القرآن، و كم من آية كريمة وقع فيه التنبيه على كونه غاية الغايات و منتهى الاشواق و الحركات، و لو لا هذا السفر المعنوي في الموجودات سيما الانسان لما قضى اللّه بموت احد.
و من لطائف هذا السر المخزون و الدر المكنون الذي هو باب عظيم من ابواب التوحيد و هو توحيد الغاية و توحيد الشوق و المحبة انه: مستلزم لبعثة الخلائق كلها و خراب العالم و دثوره و انه لا بد ان يمسك محرك الافلاك عن تحريكها و وقفت الافلاك عن الدوران و الكواكب عن السباحة و الجريان و وقف الكون و الفساد في المواليد و بطل ترتيب الزمان و فسد النظام و صارت السموات و ما معها مطوية و الارضون بما فيها مقبوضة ثم اللّه ينشئ النشأة الآخرة.
و قوله: «وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ»[١]، اشارة الى ان إنشاء النشأة الآخرة و عمارتها يتوقف على زوال الدنيا و خرابها، و تنبيه على ان عرفان الدنيا مستلزم لعرفان الآخرة لانهما متضايفتان ماهية و وجودا و قال: «وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ»[٢]، و هو
[١]- الواقعة ٦٢.
[٢]- الواقعة ٦١.