شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٩ - الشرح
على اللّه تعالى لانّه الفعّال لما يريد لا الدهر.
فيكون تقدير الرواية الاولى: فانّ جالب الحوادث و منزلها هو اللّه لا غير، فوضع الدهر موضع جالب الحوادث لاشتهار الدهر عندهم بذلك، و تقدير الرواية الثانية: فانّ اللّه هو جالب الحوادث لا غيره، ردّا لاعتقادهم: انّ جالبها هو الدّهر.
و اعلم انّ من جملة الكفرة و المنكرين للصّانع و الجاحدين للنشأة الآخرة جماعة من الطبيعيين و الدهريين زعموا انّ لا عالم وراء هذا العالم المحسوس و ان الانسان كسائر الحيوان يأكل و يشرب و ينكح فاذا مات فات من غير ثواب و عقاب و بعث و حساب، زعما منهم انّه هذا الهيكل المحسوس و الشكل المخصوص بماله من المزاج و القوى و الاعراض و ان ذلك يبطل بالموت و زوال الحياة و لا يبقى الّا المواد المتفرقة، قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ[١].
فالمؤثر الاوّل عند هؤلاء اما امزجة الاجسام و كيفياتها كما عند الاطباء و طائفة من الطبيعيّين و امّا طبائعها و صورها سيما طبائع الاجرام العلوية من الافلاك و الكواكب و هم الدهريّة، و هذا الرجل الزنديق كأنه كان من هذه الطائفة القائلين بالدّهر كما يظهر من كلامه ٧ في ذكر الشمس و القمر و اللّيل و النّهار عند محاجته معه و الزامه ايّاه.
و اعلم انّ الصادق ٧ سلك في الاحتجاج عليه ثلاثة مسالك: الجدل أوّلا و الخطابة ثانيا و البرهان ثالثا، تدرّجا في الهداية و الارشاد و عملا بما امر اللّه به الرّسول عليه و آله السلام في قوله: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»[٢]، اذ غرضه ٧ لم يكن مقصورا على تعجيزه و الزامه بل الغرض الاصلي كما هو شأن النبي و الامام هداية الخلق و تعليمهم و اخراجهم من ورطة الجهالة و الحيرة و الظّلمة.
و كانت اقسام الحجة خمسة: البرهان و الخطابة و الجدل و الشّعر و السفسطة، و الاخيران غير لا يقين بمن شأنه العصمة و الهداية، اذ الاوّل مبناه على التخييل و الكذب، فينافي العصمة، و الثاني مبناه على الغلط و التغليط فينافي الهداية، فبقى من الخمسة الثلاثة الاول.
امّا الجدل و هو المؤلف من المقدّمات المشهورة ففائدته كسر سورة الجحود و الانكار
[١]- الجاثية ٢٤.
[٢]- النحل ١٢٥.