شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٩ - الشرح
و التحقيق: ان السموات و ما فيها كلها حية ناطقة مطيعة للّه تعالى في حركاتها و ان حركاتها عبادة ما ملكية، و ما فيها موضع الا و فيه ملك ساجد او راكع، كما ورد عن النبي ٦: «اطت السماء و حق لها ان تئط ...» الحديث. فهذا معنى كون السماء عمرانا فانها مساجد اللّه و فيها بيت المعمور، و عمارة المساجد انما هي بالتسبيح و الذكر و الصلاة، و من هاهنا يعلم بطلان قول من زعم من الظاهريّين ان الفلك جماد غير ذي روح و نطق و ان الكواكب كالدر و اليواقيت و سائر الاحجار جمادات، و هؤلاء قولهم كقول الطباعية.
و مما يكذبهم في هذا القول ما ورد في الادعية السجادية على قائلها السلام و التحية عند رؤية الهلال من قوله في مخاطبة القمر: ايها الخلق المطيع الدائب السريع. و قوله:
المتصرف في فلك التدبير و كذا ما ورد عن امير المؤمنين ٧ في بعض خطبه قوله ٧: و كيف احتجب عنك من اراك قدرته في نفسك.
يريد ان ظهور الشيء على الناس اي على المشاعر و الحواس اما بظهور ذاته او بظهور آثاره و افعاله، و الاول لا يكون الا لجسم مكيف بالكيفيات المحسوسة، و اللّه سبحانه ليس بجسم و لا محسوس فكيف يظهر بذاته على الناس و اهل الحواس؟
و اما الثاني و هو الظهور من جهة الآثار فهو الصحيح في حقه تعالى الواقع منه على خلقه، فمن حيث ارانا قدرته و فعله فما احتجب عنا بل ظهر لنا غاية ما يمكن من ظهوره علينا ما دمنا في هذا العالم متعلقين بهذا القوى و الابدان الكثيفة العنصرية، و قدرته فينا احوالنا المتقابلة و هيئاتنا المتضادة من النشوء بعد العدم و الكبر بعد الصغر و القوة بعد الضعف و عكس ذلك، و الصحة بعد السقم و عكسه، و الرضاء بعد الغضب و عكسه الى غير ذلك من الحالات النفسانية و الانفعالات القلبية التي عددها ٧ مما ليست بقدرة العبد و اختباره، و لا يملك لنفسه شيئا من ذلك فيشتهي و ينفر كرها و يرغب و يرهب جبرا و يرجو و ييأس اضطرارا و يصحّ و يمرض سخط أم رضى و يعيش و يموت شاء أم ابى، لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا[١].
بل قدير به ان يعلم شيئا فيجهله و يريد ان يذكر فينسى، و يريد ان ينسى الشيء فيغفل عنه فلا يغفل، و يريد ان ينصرف قلبه الى ما يهمه في اودية الوساوس و الاوهام
[١]- الفرقان ٣.