شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٩٧ - الشرح
و مشاهدة لطف الاول سلبت افئدتهما، و قد قيل شعرا:
|
فذلك من عميم اللطف شكر |
و هذا من رحيق الشوق سكر |
|
اقول: فافهم هذا المقام فهم حق يتلى لا فهم شعر يفترى. و من هاهنا ينكشف عند العاقل اللبيب ان غاية جميع المحركات و المتشوقات من القوى العالية و السّافلة في تحريكاتها و افاعيلها هو ذات البارئ او التقرّب إليه و الوصول الى حضرته، لان غرض كل فاعل من فعله ما هو ارفع منه، لكنه يلزمه تبعا صدور ما هو أدون منه، و بهذا ظهر سرّ كلام من قال:
لو لا عشق العالي لا نطمس السّافل.
فان قلت: اذا كانت الغاية متقدمة على الفعل بحسب السّببية[١] متأخرة عنه بحسب الوجود، فلو كان الاول تعالى غاية يلزم ان يكون متأخرا عن الممكنات؟
قلنا: ان تأخر الغاية عن الفعل انّما يكون اذا كانت من الاشياء الواقعة في عالم الكون و الحركة، و اما اذا كانت ارفع من هذا العالم فلا يلزم، بل الغاية في الفعل الابداعي متقدمة عليه علما و وجودا و في الكائنات متقدمة عليها علما متأخرة عنها وجودا.
و التحقيق: ان البارئ جل اسمه اوّل الاوائل من جهة كونه فاعلا للاشياء و علة غائية و غرضا، و هو بعينه اخر الاواخر من جهة كونه غاية و كمالا، يقصده الاشياء و ينحو نحوه و يتشوق إليه طبعا و إرادة و يتصل اخر دائرة الوجود بأولها من جهة اخر كمالات الانسان الكامل الواصل الى مقام او ادنى «فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى»[٢] فهو تعالى منتهى سير السائرين و غاية قصد المسافرين، لانه الخير المحض و المعشوق الحقيقي، فمصحح الاعتبار الاول نفسه ذاته بذاته، و مصحح الاعتبار الثاني صدور الاشياء عنه على وجه يلزمها عشق يقتضي حفظ كمالاتها الاولية و شوق غريزي الى تحصيل المفقود من كمالاتها الثانية و حركة ذاتية جوهرية إليها و الى ما بعدها حتى انتهت الى غاية لا غاية لها.
قال ابو نصر الفارابي: صلت السماء بدورانها و الارض برجحانها[٣] و الماء بسيلانه و المطر بهطلانه و قد تصلى له و لا تشعر و لذكر اللّه اكبر[٤].
[١]- الشيئية- م- د.
[٢]- النجم ١٠.
[٣]- برجحانها« ط».
[٤] فصوص الحكمة- فص ٢٩.