شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٤٥ - الشرح
جنسا مبهما بينهما غير تام الحقيقة المتحصلة، كجنس المتضادين مثل اللونية بين نوعي السواد و البياض، لان الايمان امر محصّل و حقيقة معينة فهو امّا هذا و اما ذاك، فاذا كان ذاك لم يكن هذا و ان كان هذا لم يكن ذاك، فاذا فرض ان الرؤية بالبصر هو الايمان لم يكن المعرفة المكتسبة ايمانا فلم يتحقق مؤمن في الدنيا، اذ لم يروا اللّه جهرة بل من اقترحها اخذته الصّاعقة، و لكن التالي باطل بالضرورة عقلا و نقلا لقوله تعالى في كثير من مواضع القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا*، و قوله: آمِنُوا بِاللَّهِ*، و آمِنُوا بِرَبِّكُمْ، أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا*[١]، وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ[٢]، و غير ذلك من الآيات، فالمقدم مثله.
قوله: و ان لم يكن المعرفة التي من جهة الرؤية ايمانا ... الى آخره، يعني و اذا ثبت ان ليست المعرفة التي تضمنتها الرؤية البصرية ايمانا، فثبت و تحقق ان هذه المعرفة الحاصلة في العقل من طريق الاكتساب ايمان و هو الايمان بالغيب ما دام المؤمن في الدنيا كما في قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ[٣]، فنقول:
هذا الايمان الذي هو المعرفة العقلية الحاصلة من طريق الاكتساب بالدليل و البرهان لا يخلو اما ان يكون زائلا عن قلب المؤمن فاسدا بفساد بدنه و موت قالبه او غير زائل عنه بل باق معه في البعث و الحشر، لكن الأوّل باطل و هو المراد بقوله: و لا يزول في المعاد، أي و الحال انه لا يزول في المعاد بلا خلاف لاحد من اهل الاسلام، اللهم الّا ان يكون ضعيفا متزلزلا غير متيقن، كيف و قد علمت انه المقصود الاصلي من وضع الشرائع و بعث الرسل؟
و أيضا المعرفة ليست امرا متعلقا بمواد هذا العالم حتى يقبل الفساد بفساد حامله، لانها قائمة بجوهر روحاني عقلي، في الحديث: التراب لا يأكل محل الايمان، بل هو منشأ بقاء الآخرة و هو نور الحياة في دار الحيوان و به المشي في ارض الآخرة و الانسراح في رياض الرضوان، كما ان نور الحسّ و الحركة منشأ الحياة الطبيعية في هذا العالم دار البهائم و عالم الديدان.
فاذا ثبت انّ هذه المعرفة الايمانية ثابتة مع المؤمن في المعاد و به يستضيء قبره و برازخ منازله الى يوم البعث، و بقدر نور الايمان و شدته يكون سعيه في الآخرة و سرعة مشيه
[١]- الانفال ٤.
[٢]- البقرة ٢٨٥.
[٣]- البقرة ٣.