شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٤٣ - الشرح
الشرح
اقول: لا بد قبل الخوض في حل هذا الحديث من ذكر مقدمتين:
الاولى ان الغرض الاصلي من بعثة الرسل : و انزال الكتب الى الناس سياقة الخلق الى الحق و اذهابهم من اسفل سافلين و ادنى منازل الهابطين الى جوار رب العالمين، و ذلك بالعلم و العمل الصّالح، و غاية العمل أيضا هو العلم، لان المقصود من الاعمال ليس الا التخليص و التصقيل، و اين هو من التكميل و التنوير؟ و العلم عبارة عن معرفة اللّه و صفاته الحسنى و افعاله العظمى من ملائكته و كتبه و رسله، فكمال رتبة الانسان الذي يستحق مجاورة الرحمن هو معرفة هذه الامور التي يجمعها العلم باللّه و باليوم الاخر، و هذا بعينه هو المراد بالايمان.
الثانية ان هذا العلم الذي هو الايمان مما يضعف و يشتد و ينقص و يكمل، و يكون في مبدأ اكتسابه ضعيفا ناقصا ثم يتدرج بمزاولة الافكار و الاعمال و يشتد شيئا فشيئا و يستكمل قليلا قليلا، كما يقع للفحم بمجاورة النار، و يتسخن أولا تسخنا قليلا ثم يشتد تسخّنه حتى يحمر ثم يتنور ثم يضيء و يحرق و يفعل كما[١] يفعله النار من التسخين و الإضاءة و الاحراق، فهكذا يشتد نور العلم و قوة الايمان حتى يصير العلم عينا و الايمان عيانا و المعرفة تنقلب مشاهدة و لهذا قيل: المعرفة بذر المشاهدة.
لكن يجب ان يعلم ان العلم اذا صار عينا لم يصر عينا محسوسا، و ان المعرفة اذا انقلبت مشاهدة لم ينقلب مشاهدة بصريّة حسيّة، لان الحس و المحسوس نوع مضاد للعقل و المعقول ليس نسبة احدهما الى الاخر نسبة النقص الى الكمال و الضعف الى الشدة، بل لكل منهما في حدود نوعه مراتب في الكمال و النقص لا يمكن لشيء من افراد احد النوعين المتضادين ان ينتهي في مراتب استكمالاته و اشتداده[٢] الى شيء من افراد النوع الاخر.
فالابصار اذا اشتد لا يصير تخيلا مثلا و لا التخيل اذا اشتد يصير تعقلا و لا بالعكس، نعم اذا اشتد التخيل تصير مشاهدة و رؤية بعين الخيال لا بعين الحس، و كثيرا ما يقع الغلط من صاحبه انه رأى بعين الخيال أم بعين الحس الظاهر، كما يقع للمبرسمين
[١]- كلما- النسخة البدل في جميع النسخ.
[٢]- اشتداداته- م- ط.