محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٥ - الخطبة الأولى
ويُوضِّح الحديث عن الإمام الكاظم عليه السلام من هم النّاس الذين يساوق الانفراد عنهم الأنس بالله؛ حيث يقول الحديث عنه:" يا هِشامُ، الصَّبرُ عَلَى الوَحدَةِ عَلامَةُ قُوَّةِ العَقلِ، فَمَن عَقَلَ عَنِ اللّهِ اعتَزَلَ أهلَ الدُّنيا وَالرّاغِبينَ فيها، ورَغِبَ فيما عِندَ اللّهِ، وكانَ اللّهُ انسَهُ فِي الوَحشَةِ، وصاحِبَهُ فِي الوَحدَةِ، وغِناهُ فِي العَيلَةِ، ومُعِزَّهُ مِن غَيرِ عَشيرَةٍ" ١٠.
وعن الإمام العسكري عليه السلام:" مَن أنِسَ بِاللّهِ استَوحَشَ مِنَ النّاسِ، وعَلامَةُ الانسِ بِاللّهِ الوَحشَةُ مِنَ النّاسِ" ١١.
والمؤمنُ لا يستوحش من المؤمن وطهرِه وخُلُقِه، وإنما استيحاشه من شرار الناس وما هم عليه من معصية الله، ومفارقةٍ لما يرضيه، على أنّ أنسه بالله لا يعدله أُنسٌ آخر ١٢.
٣. الدعاء:
الدعاء حيث ينبع من القلب، ويُمثِّل حالة شعور صادق بعظمة الله وقدرته، ورحمته، وكرمه، والأمل الحيّ في الاستجابة لِلَجأِ عبده، وانتشاله له من مأزقه، ودفع كربته، فهو ذكر لله لابد أن يؤنس صاحبه، ويُذهب وحشته.
والله عزّ وجلّ يريد أنس عبده فمن سأله الأنس به لم يُخيِّب أمله، ولم يقطع رجاءه، ولذلك يكثر دعاء أولياء الله ربَّهم الحميد المجيد الرَّؤوف الرَّحيم في كلّ حاجاتهم، وقد كَثُر طلبهم الأُنسَ به سبحانه ١٣، وقد جعل به أنسهم، واطمأنت إليهم قلوبهم، وسكنت عند ذكره نفوسهم.
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" اللّهُمَّ اجعَلنا مَشغولينَ بِأَمرِكَ، آمِنينَ بِوَعدِكَ، آيِسينَ مِن خَلقِكَ، آنِسينَ بِكَ، مُستَوحِشينَ مِن غَيرِكَ، راضينَ بِقَضائِكَ، صابِرينَ عَلى بَلائِكَ" ١٤.
وعن الإمام علي عليه السلام في دعائه:" اللّهُمَّ ... كُن لي في كُلِّ وَحشَةٍ أنيسا، وفي كُلِّ جَزَعٍ حِصنا" ١٥.