محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣٨ - الخطبة الأولى
ولا ينافي ذلك أن يكون بخيل وهو غنيّ [١] إذ الغنى مراتب فلو بذل هذا البخيل في سبيل الله ازداد غناه.
وجاء عن الرّسول صلَّى الله عليه وآله:" ما من يوم يُصبح العباد فيه إلا ملِكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنفِقًا خَلَفَا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا" [٢].
وحقَّ على العاقل ان يطلب تخليص نفسه من شحّها إنقاذًا لها من عار الدّنيا وعار الآخرة وعذابها، وطلبًا للفلاح. يقول الكتاب العزيز (... وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [٣].
وفي الحديث عن الإمام الصَّادق عليه السلام:" من كانت له دارٌ فاحتاج مؤمن إلى سكناها فمنعه إيّاها قال الله عزّ وجلّ: يا ملائكتي أبخِلَ عبدي على عبدي بسكنى الدار الدّنيا؟ وعزّتي وجلالي لا يسكن جِناني أبدًا" [٤].
عبدٌ من عباد الله لا يجدُ مأوى يأوي إليه، وآخر له منزل زائد والأول قادر على دفع أجرة المنزل وباذلٌ لها أو غير قادر ولا له من حيلة إلا التشرُّد فيمنعه الواجد سكنى ذلك المنزل ينتقم الله منه كما في الحديث ذلك الانتقام الشديد.
وما يُدرى فلعلَّ ذلك الموقف الشائن من البخيل المانع أخاه من سُكنى داره مع حاجته الشديدة لها يَشِطُّ به عن دين الله الشَّطَطَ البعيد الذي يخرجه منه ليستحق عظيم ذلك العقاب. والعلم عند الله، وهو العدل الحكيم.
[١]- يعني أن يوجد فقيرٌ في حال كونه غنيًّا.
[٢]- صحيح مسلم ج ٣ ص ٨٣.
[٣]- ٩/ الحشر، ١٦/ التغابن.
[٤]- الكافي ج ٢ ص ٣٦٧ ط ٤.