محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥ - الخطبة الأولى
١. التفكّر:
فِكْرُ الإنسان حيث يُفعّل يُثمر، وإذا عُطِّل هُدِر وخُسِر. تفعيله بالنظر في الآيات، آيات الأنفس والآفاق، وفي دروس الحياة والموت، والغِنى والفقر، والقوَّة والضعف، وتغيُّر الأحوال، وما تغنى به السَّماوات والأرض وعجائب الخَلق من دلالات، وما ينتهي إليه النَّظر من دقائق الخلق، وما وراءَ ذلك من عظيم القدرة، وإحاطة العلم، وبالغ الحِكمة؛ هذا التفعيل والإنتاج يمُدُّ البصيرةَ بالقوّة والحيويَّة ويُوسِّعها، ويفتح أمامَها الآفاقَ، ويزيد في نفوذها.
يقول الكتاب الكريم: (أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَ زَيَّنَّاها وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ، وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَ ذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) ١.
وكُلَّما كان النظرُ دارسًا، وعلميًّا، وموضوعيًّا، وتخصُّصيًّا، وجادًّا، وصابرًا كان مِعطاء، وأكثر إنتاجًا وأَثَرًا.
وكُلّما كان هناك انفتاح نفسي، وتعلُّق قلبيٌّ بالحقيقة، وإذعانٌ عمليٌّ لها، واحتضان شعوري وكانت المنطلق لبناء المواقف عند الباحث زاد ذلك في قوّة البصيرة وإثرائها وتبلوُرها في البُعْد العمليّ.
انظر إلى قول الآية الكريمة: (وَ ذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) فالقلبُ المنيبُ إلى الله عزّ وجلّ، المتعلِّق بالحقّ، الرّاضي به، المستجيب له هو الذي يتذكّر، وهو الذي تحصل له البصيرة في مقام العمل، وبناء المواقف إلى جنب ما تَوفَّر لصاحبه من بصيرة فكر، ونُضْجٍ وزيادةٍ في قوة النّظر.
وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" إن التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور فعليكم بحسن التخلُّص، وقلّة التربُّص" ٢.