محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٣ - الخطبة الأولى
اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم افعل بنا في أمر ديننا ودنيانا خيرَ ما فعلته بمن رحمت من عبادك، وجنّبنا فيهما كلّ شرٍّ جنّبتهم إيّاه، وانتهِ بنا إلى أحسن ما انتهيت بهم إليه يا رؤوف، يا رحمان، يا رحيم، يا جواد، يا كريم.
الأُنس بالله سبحانه:
أما بعد،
فإنّ من أوحشته الدُّنيا ورغِب عن ترفها، ولم تشغله زينتها، أَنِس في الآخرة وأهنأه نعيمُها، ومن كان أُنسُه بالدّنيا، وانصرافه لها، وأوحشهُ اليومَ أمرُ الآخرة كان لا مفرّ له غدًا من وحشتها.
والقلب المأنوس بما يكره الله لا يأنس بذكره سبحانه، والقلب المأنوس بذكر الله عزّ وجلّ، لا يؤنسه باطل.
عن الإمام عليّ عليه السلام:" آهِ آهِ عَلى قُلوبٍ حُشِيَت نورا، وإنَّما كانَتِ الدُّنيا عِندَهُم بِمَنزِلَةِ الشُّجاعِ الأَرقَمِ ١، وَالعَدُوِّ الأَعجَمِ ٢، أنِسوا بِاللّهِ وَاستَوحَشوا مِمّا بِهِ استَأنَسَ المُترَفونَ، اولئِكَ أولِيائي حَقّا، وبِهِم تُكشَفُ كُلُّ فِتنَةٍ وتُرفَعُ كُلُّ بَلِيَّةٍ" ٣.
وليس غير الله يحضرك كلَّ ساعة، ويمكنك أن تلقاه كلّ ساعة وكلّ آن لتجد فيه أُنسًا لك، أمَّا الله سبحانه فهو وحده الذي لا يغيب عن خلقه، ويستطيع القلب أن يلقاه بمجرد أن يتهيَّأ للقائه، ويتّجه بصدقٍ إليه ليجده قريبا منه بعلمه ورحمته، قادرًا على كشف كربته، وإخراجه من مضيقه، وإنقاذه من ورطته وكربته.
وأُنسُ المؤمن بالله لا يقف عند حدِّ هذه الحياة ٤، وإنما يُرافق العبدَ في حياته هذه، وعند موته، وحين بعثه.