محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥٨ - الخطبة الثانية
تُمكِّن له في نفس المظلوم ولا غير المظلوم، ولا تُوجِد له احترامًا حقيقيًّا حتى في نفسِ من يُمارسه.
وما مُمارستُه له إلا لغَلَبَة الهوى، وسلطان المصالح المادية الضيقة، وللانسياق وراء دافعٍ من دوافع الأرض التي قد تستبدُّ بالتحكّم في نفس الإنسان، فتُنسيه كلّ شيء آخر، وتُفقده توازنَه.
قد يرتفع صوت الظلم عاليًا، وتُناصره أيدٍ وألسنٌ كثيرة إلا أنَّ القلوب تنكره، وحتّى الكثيرَ من قلوب مناصِريه الذين لا زالت تعيش بعضَ نبضها الإنسانيّ ليست معه، وإن كانت مأسورة لهوى الظلم تحت ضغط الأنانية والجاهلية التي يعيشها داخلُ هذه الجماعة أو تلك.
ارتفاع صوت الظلم مرتبط بقوة الخارج، وبدعم البطش والعنف والإرهاب، وإلا فإنه لا رصيد له في ضمير الإنسان، ولا في منطق الكون الذي لو ساد نظامَه الظلمُ لحظةً واحدةً لهدمه، فإنَّ الكون كلّه لا شيء فيه كبُر أو صغُر، ولا مجرَّةَ ولا ذرةَ في الوجود إلّا وقوامها العدل، ولو عَرَضَ نظامَ الوجود الظلمُ لانتهى، وما كان له وجود.
والذين يمارسون الظلم ومن يناصرونهم يَنْسَون أنهم مرهونون في وجودهم للنظام العادل ٥، والتدبير الإلهي العادل، وإلا لم يكن لهم وجود ولا أثر، وأنهم بهذا الموقف الذي يرفضه النظام الكوني وعدل الله سبحانه يُؤسّسون لقانون مضادٍّ للقانون الذي وُجدوا به، ويحافظ لهم على ما لهم من حظّ الوجود، وحظّ الحياة.
وما سادَ بلدًا عنفُ شعب أو دولة إلا قضى عليها ٦، وقبل ذلك يُحيل حياة أهلها إلى مأساة ويغرقها في العذاب. ولقد قالوا قولًا حكيمًا بأن العنف يولّد العنف، ولكن لا صمود لدين ولا حكمة، ولا تماسك من إرادة أمام بعض حالات الجموح التي تعتري نفس