محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨٦ - الخطبة الأولى
فأين من حسرة مقيمة يطول أمدها، وندامة لا تشغَلُ الغفلة عنها، وخسارة لا مكان لتداركها؟! وقد تكون الحسرة مؤبَّدة، والندامة دائمة، والخسارة لا مخلص منها.
بتضييع الفرص يضيع خير الدنيا، وبتضييعها يضيع خير الآخرة.
وباستثمار الفرص يقوم بناء الدّنيا، وبناء الآخرة.
وهناك فرص خير، وفرص الشر، وعين أهل الخير والعزيمة الفاضلة على فرص الخير، وعين أهل الشرّ على فرص الشر، وكل آخذ طريقه، وكل سالك إلى غايته.
وتنتهي حياة الناس في هذه الدّنيا ومنهم من تحقّق على يده أكبر قَدَر يمكنه من الشر تفسد وتشقى به حياة الناس، وتسوء مصائرهم.
ومنهم من تحقّق على يده أكبر قَدَر يمكنه من الخير تصلح وتسعد به حياة الناس، وتطيب مصائرهم.
وأول من يشقى بشر أهل الشرّ أنفسهم، وأول من يسعد بخير أهل الخير أنفسهم.
وتعالَوا أيها الأحبة إلى موائد الحديث عن المعصومين عليهم السلام في هذا المجال:
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" والله ما يُساوَى ما مضى من دنياكم هذه بأهداب ١ بُردي هذا، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء. وكلٌّ إلى بقاء وشيك، وزوال قريب؛ فبادروا العمل وأنتم في مَهْل الأنفاس، وجِدّة الأحلاس ٢ قبل أن تؤخذوا بالكَظَم ٣، فلا ينفع الندم" ٤.
كل ما مضى من الدُّنيا بما هو دنيا قيمته ضئيلة، وشأنه منخفض، وليس ما بقي منها وبما هو دنيا كذلك بأحسن حالًا، وأرفع قيمة.
أرأيت شدّة شَبَه الماء بالماء؟ إنَّ شَبه ما بقي من الدّنيا في ضآلته وتفاهته بما مضى منها أبلغ شدةً واقتراباً من شبه الماء بالماء.